صارت عين مفهوم المصدر ، فهنا يقوم التّصوّر على أنّ ذات المقروء من كثرة عجائبه صارت عجبا ، فلا شيء من عناصره وأجزائه إلّا هو عجب .
ونظيره مثلا : رأيت عليّا العدل . وصف بالمصدر بدل اسم الفاعل « عادل » حتى كأنّه هو العدل .
ولا يكون القرآن عجبا في مبانيه وفي معانيه إلّا إذا كان معجزا ، متفرّدا متميّزا عن كلّ كلام آخر ، فلا تستطيع الخلائق أن تأتي بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا بالمساعدة والمعاونة والاشتراك في العمل ، فهو إذن كلام منزّل من ربّ العالمين .
وقد عبّر هؤلاء النّفر من الجنّ عمّا أدركوا من عناصر إعجاز القرآن الكثيرة بقولهم :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً .
القضية الثّانية :
دلّت عليها جملة :
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
وصفا لما سمعوا من القرآن المجيد ، من تلاوة الرّسول صلى اللّه عليه وسلم .
يَهْدِي :
أي : يدلّ ويرشد ، يقال لغة : هدى فلانا الطّريق ، وهداه له ، وهداه إليه ، إذا عرّفه به ، وبيّنه له .
إِلَى الرُّشْدِ :
الرّشد : هو السّلوك الفكريّ أو النّفسيّ ، أو العمليّ ، الموافق للحقّ والصّواب ، أو لما هو الأفضل والأحسن والأكثر نفعا ، والأبعد عن الضّرر أو الأذى .
فوصف القرآن بأنّه يهدي إلى الرّشد ، وصف يجمع كلّ ما اشتمل عليه القرآن من دعوة إلى الحقّ والخير ، وما هو الأفضل . والأحسن ، والأنفع ، والأبعد عن الضّرر والأذى ، حالا ، ومستقبلا قريبا ، ومستقبلا بعيدا ، حتّى يوم الدّين يوم الحساب ، وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء ، في دار النعيم ، أو في دار العذاب الأليم .