ثمّ مضى إلى الحجون ، وابن مسعود ينظر ، وكان الجنّ في هذه المرّة كثيرين ، حتّى غشوة من كثرتهم ، فصار ابن مسعود لا يراه ، فأسمعهم الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم القرآن .
وسألوه الزّاد ، فزوّدهم العظم من بقايا طعام المسلمين ، وزوّدهم البعر ، أي : لدوابّهم ، كما جاء في صريح بعض الرّوايات .
وجاء في بعض الروايات كلمة « الرّوث » بدل « البعر » .
( 4 ) ومن هذه الوفادات لقاء الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفدا من الجنّ بالمدينة ، بعد الهجرة ، واستصحب الرّسول معه في هذا اللّقاء الزبير بن العوّامّ ، ومشى به حتّى ابتعد عن الجبال ، ووصل إلى أرض فضاء واسعة .
قال الزبير بن العوّام رضي اللّه عنه : وأفضينا إلى أرض براز ، فإذا رجال طوال كأنّهم الرّماح ، مستثفري ثيابهم « 1 » ، من بين أرجلهم ، فلمّا رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ، حتّى ما تمسكني رجلاي من الفرق « 2 » ، فلمّا دنونا منهم ، خطّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإبهام رجله في الأرض خطّا ، فقال لي :
« أقعد في وسطه » .
فلمّا جلست ذهب عنّي كلّ شيء أجده من ريبة ، ومضى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بيني وبينهم ، فتلا قرآنا رفيعا حتّى طلع الفجر ، ثمّ أقبل حين مرّ بي فقال لي : « الحق » . فجعلت أمشي معه ، فمضينا غير بعيد ، فقال لي : « التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد ؟ » .
هامش
( 1 ) الاستثفار بالثوب : هو لمّ أطرافه وأخذها من بين الفخذين ، فربطها في الوسط ، وهذا عند الاستعداد للمصارعة ونحوها .
واستثفار الحائض هو اتّخاذها خرقة عريضة بين فخذيها تشدها في حزامها .
( 2 ) الفرق : الخوف .