المنكسرة ، النادمة على ما أسلفت من جرائم في رحلة الحياة الدّنيا ، رحلة الامتحان ، فقد دلّ عليها دعاؤهم التالي :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ .
أي : يا ربّنا أبصرنا اليوم بأعيننا ، وسمعنا بآذاننا ، ما كنّا نكذّب به في الحياة الدنيا ، حينما كان خبرا ، جاء على ألسنة رسلك ، ونزلت به آيات كتبك ، فنحن اليوم موقنون بكلّ ما بعثت به رسلك ، وبكلّ ما أنزلته في كتبك ، فارجعنا إلى مثل الحياة الدّنيا ، حياة الامتحان ، فإنّنا نعطيك يا ربّنا عهدا بأن نعمل صالحا ، بعد أن صرنا موقنين ، إذ صار ما كان خبرا عن غيب أمرا مشهودا ، رأيناه بأعيننا وسمعناه بآذاننا .
اليقين : هو العلم الذي لا شكّ فيه ، موقن : اسم فاعل من فعل أيقن ، أي : علم الشيء علما كاملا لا يخالطه شكّ .
ولكن ما قيمة اليقين بعد الشهود الحسّيّ ، في قضيّة من قضايا الإيمان بالغيب الواجب ، بالاستناد إلى براهين العقل وأدلّته ، وهذا الإيمان هو قاعدة الامتحان الكبرى ، في رحلة الحياة الدنيا .
لقد سقطوا في سحيق الكفر والجحود ، عند عقبة الإيمان بالغيب ، رافضين البراهين العقليّة ، والحجج الدّامغة ، ومتعلّلين بأنّ ما جاء به الدّين عن اللّه وصفاته ، وعن اليوم الآخر ، أمور غيبيّة غير مشهودة بحواسّهم ، فهم لا يؤمنون بها ، لذلك فهم لا يعملون بمقتضاها .
إنّ هذا اليقين بعد الشّهود الحسّيّ لا ينفعهم عند ربّهم بشيء لأمرين :
الأمر الأول : أنّ المطلوب منهم في امتحانهم أن يؤمنوا بالغيب .
الأمر الثاني : أنّ مدّة امتحانهم قد انتهت بموتهم ، وقد سقطوا في هذا الامتحان ، واستحقّوا الخلود في عذاب النار .