تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
مقدّمات عذاب يوم الدين ، مما يكون في البرزخ الفاصل بين الحياة الدنيا وبين البعث . ودعاؤه بهذا الدّعاء يدلّ على وجود أمل لديه باحتمال استجابة طلبه ، لكنّ الجواب الرّبّانيّ قد دلّ عليه قول اللّه تعالى :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها .
كَلَّا :
أداة ردع وزجر تنبئ عن رفض طلبه ، فقد استوفى زمن ابتلائه الّذي منح فيه الإمهال الكافي ، طوال عمر كان يكفيه منه دقائق قبل أن يلامس عتبة الموت ، يعلن فيها إيمانه بربّه وإسلامه له ، على وجه يحميه من الخلود في عذاب النار ، لكنّه لم يفعل .
إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
هي كلمة دعائه :
رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
في الحياة الدّنيا مما كنت أستطيع أن أعمل به صالحا إذ جعلت يا ربّ لي عليه سلطانا ، وفي عبارة :
ارْجِعُونِ
استعمال ضمير المخاطب العظيم تذلّلا واستعطّافا . والمراد بكونها كلمة هو قائلها ، أنّه غير مأذون له بأن يدعو بها ، لسبق القضاء الرّبّانيّ بأن لا يستجاب له ، إنّ أبواب الاستجابة مؤصدة قبالته بعد انتهاء رحلة امتحانه ، فكلمة دعائه مردودة عليه بموته وهو على كفره وظلمه ، وهي حبيسة في محيط نفسه لا سريان لها . بخلاف دعاء الداعي وهو مأذون له من ربّه بأن يدعو ، فإنّ كلمة دعائه مجذوبة إلى اللّه بجاذب استقبال من رحمته ، إذ قال لعباده وهم في رحلة ابتلائهم :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
فكلمة الداعي وهو في هذه الحالة لا تكون كلمته وحده ، بل هي كلمة مجذوبة إلى الاستجابة بكلمة اللّه .
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ،
أي : ويوجد من ورائهم وهو زمن المستقبل ، فاصل يفصل ما بين آخر الحياة الدّنيا ، وأوّل الحياة الأخرى ، الّتي تبدأ عند البعث .