دلالات آيات اللّه في كونه ، أجهزة الإدراك في القلوب الّتي في الصّدور ، والمراد بالقلوب مراكز التفكير في الناس ، والمراد بالصّدور ما في داخلها في عمق المراكز الإدراكيّة . هذه هي الّتي تعمى ، إذ تملك القدرات التفكيريّة الإداركيّة ، في أصل فطرتها الرّبّانيّة ، ولكنّ الأهواء والشهوات ورغبات الاستمتاع بمتاعات الحياة الدّنيا تغشّي عليها ، فتعميها .
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ :
أي : ويستعجلك يا محمّد الّذين كذّبوك بتحقيق ما أنذرتهم به من عذاب اللّه بلاغا عنّا .
وظاهر أنّهم لا يطلبون نزول العذاب بهم ، ولكنّهم يتحدّونه تحدّي المكذّب له . أي : إنّ ما كنت تبلّغنا إيّاه من الإنذار بعذاب من اللّه معجّل ، قد كان تبليغا كاذبا تفتريه على ربّك ، ولهذا جاء في النصّ ما يلي :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ :
أي : ولا بدّ أن يتحقّق في المستقبل ما وعد اللّه به ، وبلّغه رسوله ، ولكنّ حساب الزّمن في مقادير اللّه غير حساب النّاس للزّمن ، فالناس يستبطئون وقوع الموعود به ، بحسب الأيّام الّتي يعدّونها ، أمّا اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه فتقدير الزمن بالنسبة إلى أفعاله في كونه كما يلي :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
( 47 ) : أي : فإذا وعد اللّه أن يحدث أمرا بعد ساعة من حساب زمنه لمقاديره ، فإنّ هذه السّاعة تعادل أكثر من أربعين سنة في حساب الناس لأيّامهم . واللّه جلّ جلاله حليم صبور ، يملي لعباده ، ولا يعجل بتعذيبهم وإهلاكهم ، ليعطيهم أطول مدّة يراجعون فيها أنفسهم ، رغبة في أن يستغفروا ويتوبوا ، ويكونوا من أهل النجاة ، وليقطع فيها كلّ أعذارهم الّتي يمكن أن يعتذروا بها .
لكنّ إمهاله جلّ جلاله إذا أخذ مداه الأقصى ، دون أن يرجع عباده الظالمون عن ظلمهم ، فإنّه ينزل بهم العذاب والإهلاك ، ثمّ يكون مصيرهم