تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
دلّ هذا النّصّ على أنّ كبراء مشركي قريش ، كانوا يقولون قبل بعثة الرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم مقسمين باللّه أبلغ أيمانهم وأشدّها وأقواها : لئن جاءهم رسول من عند اللّه ، فبلّغهم عن اللّه ، وبشّرهم وأنذرهم ، ليكوننّ أكثر هداية من النّصارى الّذين جاءهم عيسى عليه السّلام ، أو من اليهود الّذين جاءهم موسى وهارون عليهما السّلام ، بحسن الفهم ، وحسن الاتّباع ، إذ كانوا يرون تفوّق اليهود والنّصارى عليهم في الهداية ، بسبب الرّسل الّذين بعثهم اللّه عزّ وجلّ فيهم لهدايتهم ، والكتب الّتي أنزلها إليهم . فلمّا بعث اللّه فيهم رسوله محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ما زادهم مجيئه فيهم إلّا نفورا من دين اللّه الحقّ ، وتمسّكا بشركهم ، وجاهليّاتهم ، ولم يفو بوعودهم السّابقة الّتي كانوا يقولونها ، مفاخرة بقوميّتهم وأعراقهم ، واستعداداتهم الفطريّة ، في مقابل شعورهم بتفوّق أهل الكتاب عليهم ، بسبب الرّسل الّذين أرسلهم اللّه إليهم ، والكتب الّتي أنزلها عليهم ، لا بسبب تميّزهم الذّاتيّ عليهم . ومن الملاحظ أنّ كلّ الّذين يفتخرون بأعراقهم القوميّة يقولون مثل هذا القول ، إذا رأوا غيرهم تفوّقوا عليهم بعلم أو حضارة ، بسبب خارج عن تميّزهم الذاتي بخصائص تكوينيّة . والسبب الّذي جعل كبراء مشركي مكة يرفضون دعوة الرسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم وينفرون منها ، يرجع إلى باعثين نفسيّين : الباعث الأول : الاستكبار في الأرض ، إذ رأوا إيمانهم بالرّسول يلزمهم باتّباعه ، والخضوع لقيادته ، وهذه قضيّة تتنافى مع مشاعر الاستكبار في نفوسهم . الباعث الثاني : أنّ الإيمان بالرّسول وبما جاء به عن ربّه يمنعهم من كثير من مصالحهم ومنافعهم المادّيّة والنّفسيّة الّتي يحصلون عليها ، باستخدام