تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
لقد قضت حكمة اللّه جلّ وعلا ، أن يمنح الظّالمين من عباده أقصى إمهال ، وأطول زمن ضمن ظروف رحلة الحياة الدنيا ، كاف لاستبصار الحقّ ، والتراجع عن الباطل ، ومحاسبة الأنفس ، والكفّ عن ارتكاب الجرائم . والجهلة من الناس بسنّة اللّه هذه قد يستبطئون نزول العذاب بالظّالمين من الأمم ، فتتوارد على نفوسهم الشّكوك ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ يعامل عباده بمقتضى سننه الحكيمة ، لا بمقتضى أهواء الناس وتشهّياتهم ، وما يريدون أن يشفوابه غيظ صدورهم ، من أعدائهم الكافرين . دلّ على هذه السّنة عدّة نصوص في القرآن المجيد : النصّ الأول : قول اللّه عزّ وجلّ عزّ وجلّ في سورة ( آل عمران / 3 مصحف / 89 نزول ) :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
( 178 ) :
نُمْلِي لَهُمْ :
أي : نمهلهم ونطوّل مدّة امتحانهم في الحياة الدّنيا . فالمعنى : ولا يحسبنّ الّذين كفروا بالحقّ الّذي بلّغهم إياه رسلنا ، مقرونا بالبراهين الّتي تثبت أنّه حقّ ، وتقوم بها الحجّة عليهم بأنّه حقّ ، أنّ إمهالنا لهم وهم مصرّون على الكفر عالمون أنّهم على باطل وشرّ ، وأنّهم ظالمون ، هو خير لأنفسهم ، إذ تطول مدّة استمتاعهم بما حرّمنا عليهم ، دون أن نعاقبهم ونعذّبهم ونتبع ذلك بإهلاكهم إهلاك استئصال . ونفهم عقلا أنّ الغاية من الإمهال إتاحة أوسع مدّة لهم يمكن أن يتخلّصوا فيها من سلطان أهوائهم وشهواتهم ويؤمنوا ويتوبوا ، ودلّت الآية على أنّهم إذا لم يؤمنوا في مدّة الإمهال فإنّهم سيزدادون إثما ، وسيحملون أوزارا مضافة إلى أوزارهم السّابقات ، ويستحقّون عليها عذابا