مغترّين بأنّهم أكابر أقوامهم ، فيفرضون على ربّهم أن يؤتيهم مثل ما آتى رسله ، حتّى يؤمنوا بما هو مطلوب منهم أن يؤمنوا به ، وجزاء ما يقترفونه من جرائم ليحافظوا على مناصبهم الاجتماعيّة ، ومصالحهم النفسيّة والمادّية .
أمّا الصّغار الذي سيصيبهم فهو العقوبة المناسبة لحالة استكبارهم على آيات اللّه وعلى رسله .
وأمّا العذاب الشّديد فهو العقوبة الملائمة لجحودهم الحقّ ، ولكفرهم ، ولجرائمهم الكثيرة الّتي كانوا يمارسونها .
ودلّ على البدء بكبراء الأمّة والمترفين فيها مع التّنبيه على كونهم مترفين ، إذ يلحق بكبراء القوم المترفون فيهم ، ولو لم يكونوا أصحاب سلطة إداريّة ، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 70 نزول ) :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
أي :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
تستحقّ الإهلاك لغلوّها في كفرها ، وإسرافها في الظّلم والطغيان ، والإثم والبغي والعدوان ، والإفساد في الأرض .
أطلق لفظ قرية والمراد أهلها ، وهذا من المجاز المرسل ، كما هو معروف عند علماء البلاغة ، ونظائر هذا الإطلاق كثيرة جدّا في القرآن المجيد .
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أي : أرسلنا إليها رسولا أو أكثر ، ومعه من آمن به واتّبعه ، وحمل معه رسالة الدّعوة إلى دين اللّه ، فبدؤوا بتبليغ مترفيها دين اللّه لعباده ، وأوامره ونواهيه ، وسائر وصاياه ، وأمر اللّه لا يكون إلّا بالخير ، فلا يكون بالفحشاء والمنكر والبغي والشرّ .