إنّ الحكمة التكوينيّة قضت تنظيم حال المجتمع البشري ، وامتحان الناس بحسب مواهبهم وخصائصهم ، وبحسب مكاناتهم في مجتمعاتهم ، فاستغلّ القادة من أكابر الأقوام ما لديهم من هبات في الإجرام ، في معادات دعوات رسل ربّهم ، كما يستغلّ صاحب المال الواسع ماله في الفجور والإثم ومعصية اللّه ورسوله ، وكما يستغلّ أصحاب القوى الجسديّة أجسادهم في السّطو على بعض عباد اللّه الضّعفاء ، وكما يستغلّ أصحاب الحيلة قدراتهم في الحيلة ، لتحقيق مصالح لهم قائمة على العدوان والظّلم ، وهكذا إلى سائر الخصائص الفطريّة .
مع أنّ أصحاب الفطر المتميّزة قد منحوا فطرهم ليبلوهم اللّه بها ، وباستطاعتهم أن يفعلوا فيها الخير والشّرّ ، والصّلاح والفساد ، والطاعة والمعصية ، وأن تكون وسيلتهم للمراتب العليّة في جنّات النعيم ، وأن تكون وسيلتهم للانحطاط إلى الدركات السّفلى من دركات الجحيم .
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 123 ) :
أي : إنّهم حينما يستعملون هباتهم الّتي ميّزهم اللّه بها ، فيما يستطيعون من مكر بغية قمع دعوات رسل اللّه ، ومعادات رسالاتهم ، واضطهاد أتباعهم ، فإنّهم في الحقيقة يمكرون بأنفسهم ، لأنّهم بمثابة من يثقب في ظلمات اللّيل الجدار ، ليسرق ما في الدّار ، حتّى إذا كاد أن يدخل ويظفر بما يريد أسقط عليه الجدار الّذي نقبه أو صخرة عظيمة منه فقتلته ، أو أطبق عليه الفخّ الموضوع وراء النّقب الّذي ينقبه ، فنشبت به مخالبه .
إنّهم يمكرون مترقّبين الظّفر ، وتسهّل لهم المقدّمات وهم لا يشعرون بما يترصّدهم من ضربة ، أو عذاب أليم ، وبينما هم مبتهجون بقرب الظفر ، إذا بهم يفاجؤون بما لم يكونوا يتوقّعون ، فينزل بهم عقاب اللّه وعذابه .
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ :