التدبّر :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها :
دلّت سوابق هذا النّصّ من سورة ( الأنعام ) على أوضاع تكوينيّة تمّ بها نظام الخلق العامّ ، وما جاء في هذا النصّ معطوف عليها .
أي : وكذلك الوضع التكوينيّ الّذي تمّ به نظام الخلق العامّ ، والّذي يتّبع فيه المؤمنون ما يرون من حقّ وخير وفضيلة بإراداتهم الحرّة ، ويتّبع فيه الّذين كفروا أهواءهم وشهواتهم وما يزيّن لهم الطّاغوت من جرائم في الحياة الدنيا ، مع أنّ كلا الفريقين يتعرّضان للمرغبات في سبيل الهدى ، وللبهارج والزّينات في سبل الضّلال بنسبة سواء .
كذلك الوضع التكوينيّ جعلنا أيضا في نظام الخلق العامّ أن يوجد في كلّ مجتمع بشريّ فريق هم القياديّون ، بما يوهبون من خصائص فكريّة ونفسيّة ، تؤهّلهم لأن يكونوا أكابر في أقوامهم ، وقادة تتهيّأ لهم بسبب قيادتهم مصالح نفسيّة سلطانيّة ، ومصالح أخرى ترضي أهواءهم وشهواتهم ، ومصالح مادّيّة مختلفة .
وهم في الغالب لا يستطيعون تحقيق مطامعهم الشّرهة ، إلّا بوسائل إجراميّة ظاهرة أو خفيّة .
فإذا بعث اللّه رسله ، وبدؤوا بتبليغ أوامر اللّه ونواهيه أكابر أقوامهم ، كان من أمر هؤلاء الكبراء أن يمكروا برسل اللّه مكرا كبّارا ، ليمنعوا رسالاتهم من أن يكون لها انتشار في أقوامهم ، بغية المحافظة على مصالحهم ومنافعهم ومطامعهم الواسعة الإجراميّة في أقوامهم ، وبغية المحافظة على زعاماتهم لهم ، وربطهم بهم تابعين منقادين .
اللّام في
لِيَمْكُرُوا
ليست لام التّعليل ، إنّما هي لام العاقبة كما يقول النّحاة . المكر : تدبير أمر في خفاء ، ويكون في الخير ويكون في الشرّ .