رابعا : شرح سنن اللّه في الأمم
شرح السّنّة الأولى :
وهي أنّ اللّه عزّ وجلّ قضت حكمته أن لا يدع أمّة من الأمم دون أن يبعث لها رسولا نبيّا ، يبيّن لها الغاية من وجودها في الحياة الدنيا ، ودينها الّذي اصطفاه لها عقيدة وشريعة ومنهاج سلوك ، ويبشّر من آمن وأطاع بالنّعيم الخالد في الجنّة ، وينذر من كفر وعصى بعذاب أليم يوم الدّين ، في جهنّم دار عذاب المجرمين .
فما من أمّة سلفت في تاريخ النّاس ، قبل بعثة خاتم المرسلين ، إلّا بعث اللّه إليها نبيّا رسولا ، فأمرها بلاغا من ربّه بعبادة اللّه وحده ، واجتناب الطّاغوت .
وبدهيّ أنّ الأمر بعبادة اللّه وحده ، لا بدّ أن يكون مسبوقا بالإيمان به ربّا واحدا لا شريك له في ربوبيّته ، وبالإيمان بكمال صفاته ، ومنها حكمته في الخلق ، ومنها عدله .
وهذا الإيمان يستلزم عقلا التعريف بأنّ اللّه جلّ جلاله ، قد خلق النّاس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا ، سرّائها وضرّائها ، محبوباتها ومكروهاتها . ويستلزم إعلامهم بالمطلوب منهم في رحلة امتحانهم ، وإعلامهم بأنّهم محاسبون ومدينون ومجازون يوم الدّين .
أمّا الأمر باجتناب الطّاغوت فهو يتضمّن النّهي عن فعل كلّ شرّ ، وعن فعل كلّ ما يفضي إلى شرّ ، ويتضمّن النّهي عن اتّباع وساوس المضلّين من الإنس والجنّ الّذين يحاولون أن يطغوا عباد اللّه بوسائلهم المضلّة .