المقولة الثانية : دلّت عليها عبارة :
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا :
هذه تعلّة كلّ الذين كذّبوا رسل ربّهم ، وكفروا بما جاءهم به عنه ، إذ يزعمون أنّ البشريّة لا تصلح للاصطفاء بالنّبّوة وبالرّسالة ، مع أنّ الحكمة الرفيعة السامية تقتضي أن يكون الرّسول إلى البشر واحدا منهم ، يصطفيه اللّه بالوحي إليه ، ويكلّفه حمل رسالته وتبليغها لقومه .
إنّ الاعتراض على بشريّة الرّسول لا يستند إلّا إلى مجرّد إعلان الاستبعاد والاستتغراب والتعجّب ، وهذا ليس بدليل مطلقا ، إذ لا يوجد مانع عقليّ من أن يوحي اللّه الرّبّ الخالق إلى من يشاء من عباده ، وهو جلّ جلاله القدير على أن يفعل ما يشاء ، وأن يخلق ما يشاء .
بل الحكمة تقتضي أن يجعل اللّه الرّسول إلى البشر ، من البشر أنفسهم ، ليكون في سلوكه حجّة عليهم .
المقولة الثالثة : دلّت عليها عبارة :
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ :
أي :
ونؤكّد لك أنّنا نظنّك كاذبا من الكاذبين ، الّذين يفترون على ربّهم ، بادّعاء النبوّة والرّسالة .
[ إن ] هي المخففة من الثقيلة ، ويؤازرها في التأكيد اللّام في [ لمن ] .
ونظرا إلى أنّه قد كان معروفا لدى عامّة قومه وخاصّتهم بأنّه صادق لا يقول إلّا حقّا ، ما استطاعوا أن يقولوا له عبارة يجزمون فيها بأنّه كاذب في دعواه النبوّة والرّسالة ، أو بأنّه واحد من المتنبّئين الكاذبين ، بل اكتفوا ببيان أنّ ما يتصوّرونه فيه هو من قبيل الظّنّ ، لا من قبيل اليقين المستند إلى علم وخبرة بأحواله وأفعاله وأقواله .
وصبر شعيب عليه السّلام على شتائم الكبراء من كفار قومه له ، كما صبر سائر رسل اللّه على شتائم أقوامهم لهم ، فلم يقابلوا شتائم أقوامهم بأمثالها .