تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧

الفصل الخامس مرحلة تحدّي قوم شعيب له بأن يأتيهم بما يتوعّدهم به من عذاب اللّه

جاء في سورة ( الشعراء / 26 مصحف / 47 نزول ) قول اللّه عزّ وجل بشأن شعيب عليه السّلام وقومه :
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
هذا النصّ يكشف التحدّي الأخير الّذي وجّهه كبراء كفّار قوم شعيب عليه السّلام له ، ومن ورائهم جماهيرهم ، بعد أن أمهلهم اللّه عزّ وجلّ إمهالا كافيا قاطعا لكلّ أعذارهم . وقد اشتمل هذا النّصّ على بيان موجز ثلاث مقولات وجّهوها له : المقولة الأولى : دلّت عليها عبارة :
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ :
أي : ما أنت إلّا من الّذين سحروا سحرا قويّا ، حتّى أثّر فيك هذا السّحر الشّديد ، فأفسدك وغيّرك عمّا كنّا نعهده فيك من عقل راجح ، وفضائل تحمد عليها ، وسلبك ما كنت تتحلّى به من حلم ورشد عظيمين انفردت بهما دون سائر قومك . أقول : لو أنّهم نظروا إلى مضمون دعوته بعقل وبصيرة ، وأبعدوا عنهم مؤثّرات الأهواء والشهوات والمطامع ، والتقاليد والتبعيّات العمياء ، لرأوا أنّه قد زاد حلما وحكمة ، وعقلا ورشدا ، وأنّه ناصح لهم أمين . إنّ انطماس البصيرة بغشاوات الأهواء والشهوات والتقاليد العمياء ، يفسد على أهل العقول عقولهم ومفهوماتهم ، وقد يجعلهم كالبله ، أو كالأنعام ، أو أضلّ سبيلا .