حرّم اللّه عزّ وجلّ في كلّ ما أنزل من دين على رسله ، كقطع طرق الناس ، وظلمهم والعدوان عليهم ، وأكل أموالهم بالباطل ، مع ادّعاء أنّ ذلك من الدّين الذي ورثوه عن جدهم « مدين » عن أبيه إبراهيم الخليل عليه السّلام ، فإنّ عودة شعيب عليه السّلام والذين آمنوا به واتّبعوه عن دينهم ، ودخولهم في ملّة قومهم ، يجعلهم مثل قومهم مفترين على اللّه كذبا .
الافتراء : اختلاق الكذب عمدا مع العلم بأنّه كذب .
الملّة : الدّين ، والشريعة ، صحيحة كانت أم باطلة .
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها :
« إذ » ظرف للزّمان الماضي ، وهو مضاف إلى جملة
نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها :
أي : بعد حين تنجية اللّه لنا منها . والمراد تنجيتهم من العقاب على اعتناقها ، وهو الخلود في عذاب جهنّم المقرّر عند اللّه عزّ وجلّ لمن كفر بالدّين الحقّ ، وافترى على اللّه كذبا .
( كذبا ) مفعول مطلق مؤكّد لعامله : ( افترينا ) إذ هو مرادف للمصدر الذي هو « افتراء » .
المقولة الجدليّة الثالثة : دلّت عليها بإيجاز عبارة :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا :
صيغة : « وما يكون لنا أن نفعل كذا » وأشباهها يؤتى بها لتأكيد النفي بأبلغ تعبير ، إذ جاء فيها كون منفيّ وبعده لام الجحود ، كما يقول النحويّون .
والمعنى : أنّ عودنا عن دين ربّنا ودخولنا في ملّتكم أمر نرفضه رفضا قطعيّا ، ولشدّة إصرارنا على رفضه نخبركم من الآن بأنّه ما يكون لنا في المستقبل مثل هذا الّذي تطلبونه منّا ، فهو لن يوجد إلّا إذا أردنا إيجاده ، ما دام اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه يمدّنا بإرادة حرّة غير مجبورة ، إذ إنّنا نخشى عقاب اللّه وعذابه ، وهو الخلود في جهنّم دار العذاب يوم الدّين .