تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
إنّ الإكراه على الإيمان أو على الكفر بقضيّة من القضايا الفكريّة من الأمور المرفوضة عقلا وواقعا ، وكلّ فهم على خلاف هذا فهم غير صحيح . وإنّ تاريخ البشريّة لم يسجّل على أمّة مؤمنة برسالة ربّانيّة حقّ ، فاهمة لمضمون دين ربّها وحقيقته ، أنّها كانت تكره المخالفين لها في الدين ، على الإيمان بالدّين الّذي آمنت به ، إنّما كانت تدعو إلى دين اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالّتي هي أحسن ، للإقناع الفكري ، والترغيب والترهيب النفسي . لكنّ تاريخ البشريّة ملئ بالشواهد الدّالّة على أنّ أصحاب المذاهب والأديان الّتي هي من أوضاع البشر ، أو من تحريفات المحرّفين لدين ربّانيّ صحيح الأصل ، وكذلك سائر قادة ملل الكفر ، كانوا هم الّذين يكرهون مخالفيهم على ترك أديانهم ، ومبادئهم ومذاهبم ، والإيمان والعمل بدين المكرهين ، أو بمذاهبهم ، وإلّا كان العذاب الشديد حتّى الموت مصيرهم . إنّ من مبادئ الرّسالات الرّبّانيّة كلّها أنّ الدّين للّه ، وأنّه لا إكراه في الدّين ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، ولكن من اختار لنفسه الكفر فعليه أن يتحمّل تجاه ربّه مسؤوليّة اختياره الحرّ ، وعليه أن يترقّب عذاب اللّه المعجّل في الدنيا ، إذا اقتضت حكمته جلّ جلاله أن يذيقه شيئا من العذاب المعجّل . وعليه أن يترقّب عذاب اللّه المؤجّل إلى يوم الدين ، وهذا العذاب سوف يلقاه حتما في جهنّم دار العذاب الأكبر ، خالدا فيها مخلّدا ، وقد أعذر من أنذر . المقولة الجدلية الثانية : دلّت عليها بإيجاز عبارة :
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها :
لمّا كانت ملّة قومه أهل مدين فيها شركيّات ، وفيها استباحة ما