قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
لقد استفاد شعيب عليه السّلام ، من إصدار ذوي السّلطة الإداريّة في قومه ، قرارهم التّخييريّ بين الإخراج بالقوّة من أرض مدين ، وبين العودة عن دينهم الجديد ، والدّخول في ملّة قومهم ، فأخذ جانب الإكراه في قضيّة الدّين ، ليناظرهم بشأنه ، وليقيم الحجّة عليهم ، بأنّه لا يصحّ في العقل ، ولا في الوجدان ، ولا في أعراف الحرّيّة الإنسانيّة الشّخصيّة ، إكراه الإنسان على اعتناق دين لا يؤمن به ، وهو مقتنع فكريّا بالبرهان القاطع أنّه باطل ، وبسبب بطلانه يكره أن يعتنقه ويلتزم لوازمه .
فناظر عليه السّلام كبراء قومه مناظرة جدليّة مفحمة حول هذه القضيّة ، واشتملت مناظرته على ثلاث مقولات جدليّة ، وأعقبها ببيان ثباته على موقفه من دينه ، متوكّلا على اللّه ، مهما كانت النتائج والتّدبيرات الّتي يدبّرونها ضدّه ، وضدّ الّذين آمنوا به واتّبعوه ، ثمّ بدعاء سأل اللّه عزّ وجلّ فيه أن يفتح بينه وبين قومه بالحقّ ، مثنيا عليه بأنّه خير الفاتحين .
المقولة الجدليّة الأولى : دلّت عليها بإيجاز عبارة :
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ :
أي : أتكرهوننا على العودة عن ديننا والدّخول في ملّتكم ، ولو كنّا كارهين ترك ديننا والدّخول في ملّتكم ؟ ! ! .
إنّ الكاره لترك الإيمان بقضيّة يؤمن بها بقلبه ، لا يمكن أن يتركه ، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها ، وإنّ الإكراه على الإيمان بقضيّة يعلم المكره عليها أنّها قضيّة باطلة ، لا يمكن أن يوجد إيمانا بها ، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها .