لكن قد يكره الإنسان على إعلان الكفر بما هو مؤمن به في قلبه ، فيعلن ذلك وهو كاذب ، وقد يكره على إعلان الإيمان بما هو كافر به ، فيعلن ذلك وهو كاذب .
فعبارة :
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
مع ما فيها من إيجاز بالغ تدلّ على حقيقة من حقائق السّلوك الإنسانيّ الدّاخليّ ، وهي استحالة إكراه ذي الإرادة الحرّة على أن يكفر بقضيّة فكريّة يرى أنّها حقّ ، وهو يؤمن بأنّها حقّ ، أو على أن يؤمن بفكرة لم يقتنع بها ، ولا يريد أن يؤمن بها .
إنّ من الحقائق الثابتة الّتي لا تتغيّر ما دام الإنسان على ما فطره اللّه عليه ذا إرادة حرّة ، أنّه لا إكراه في الدّين ، إذ قاعدة الدّين الحقّ جوهرها الإيمان القلبيّ بمبادئه ، والإيمان إرادة داخليّة ، لا يمكن إكراه الإنسان على إيجاده أو نسخه ، ما دام ذا فكر خاصّ به ، وذا إرادة حرّة .
بهذا المنطق العقليّ ذي الحجّة الدّامغة ناقش شعيب عليه السّلام قومه .
قد يكره الإنسان على العمل بسلوك ظاهريّ معيّن ، وهو لا يؤمن بصحّته ولا بجدواه ، فينافق في سلوكه الّذي أكره عليه ، لكنّه لا يمكن أن يكره على الإيمان بفكرة يراها باطلا . أو لا يريد الإيمان بها لئلا يلتزم مقتضياتها في السّلوك .
إنّ الإيمان إرادة قلبيّة تتضمّن اعترافا بفكرة ما ، وينتج عنه استسلام نفسيّ لها ، ثمّ تحرّك للعمل بمقتضاها .
كذلك سائر العواطف القلبيّة والنفسيّة .
ومن أجل هذه الحقيقة لم يكن رسل اللّه يكرهون النّاس على الإيمان بالدّين الرّبّانيّ الحقّ ، الّذي يدعون الناس إلى تفهّم مبادئه الاعتقاديّة والإيمان بها باختيارهم الحرّ ، وليس في أيّة رسالة ربّانيّة صحيحة النسبة إلى اللّه ما يقتضي إكراه الناس على الإيمان بما جاء فيها .