تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
الشعوب حتى الشعوب الوثنيّة ، فليست عبارة قوم شعيب هذه له عبارة استهزاء به ، وليست بمعنى مطلق القراءة ، وليست بمعنى الدّين ، ولا غير ذلك من تأويلات مذكورات في كتب التفسير . والاستفهام في هذه العبارة استفهام تعجّبيّ إنكاريّ منهم ، أن يكون من أهل المحافظة على عبادة ربّه بالصّلاة ، وأن ينهى مع ذلك قومه عن عبادات هي من الموروثات لديهم الّتي يرون أنّها حقّ ونافعة لهم ، فآباؤهم كبار السّنّ الهرمون يعبدون آلهة من دون اللّه ، وهم قد ورثوا هذه العبادات عن الّذين ماتوا من آبائهم ، أفيعقل أن تكون هذه العبادات الموروثات عبادات باطلات ، وآباؤهم الهرمون يعبدونها ، وكان آباؤهم من قبلهم كذلك ، وهم ورثوا الدّين عن جدّهم الأعلى إبراهيم عليه السّلام . هذا الأسلوب التعجّبيّ الإنكاريّ نجده لدى كثير من الناس ، حين يتصدّى مثلا داع من الدّعاة ، أو ناصح من الناصحين ، ذو التزام بمقتضيات التقوى ، فينهاهم عمّا هو مألوف لهم معتاد لديهم من المحرّمات ، كشرب الخمور ، وممارسة الزّنا ، أو غير ذلك من الفواحش ، فيقولون له : أتقواك تأمرك بأن تنهانا عمّا هو موروث لدينا ، يمارسه كبار آبائنا ، وقد ورثوه عن الّذين ماتوا من آبائهم ؟ ! ! . لقد اعتبروا عبادة آبائهم لآلهة من دون اللّه حجّة يصحّ أن يحتجّ بها العقلاء ، مع أنّ هذه الحجّة باطلة ساقطة ، لأنّ أفعال النّاس وتقاليدهم مهما تواطؤوا عليها ، ليست في الواقع البشريّ حجّة على الحقيقة الّتي تثبتها البراهين العقليّة . فقد يكون الناس قد تأثّروا بضلالات المضلّين ، الذين زيّنوا لهم الباطل فرأوه حقّا ، أو تأثروا بأوهام لا أساس لها من الحقيقة ، لقلّة علمهم وانتشار الجهل بينهم ، فهم بذلك لا يهتدون إلى الحقّ والصواب ، فيقعون