وقد أطلقت البيّنة في القرآن على الرّسالة الرّبّانيّة الواضحة ، وعلى الرّسول ، وعلى الصّحف المنزّلة من عند اللّه عزّ وجلّ ، وعلى الآيات والمعجزات الواضحات الجليّات الشاهدات على أنّ من أجراها اللّه عزّ وجلّ له صادق في نبوّته ورسالته وفيما يبلّغ عن ربّه .
والمراد بالبيّنة هنا على ما يظهر ، ما أنزل اللّه عزّ وجلّ على شعيب عليه السّلام من آيات الصّحف أو الكتاب الّتي اشتملت على رسالات اللّه الّتي كان يتلوها على قومه ، مبلّغا إيّاها عن ربّه كلّما أنزل عليه شيء منها .
وما آتاه اللّه من آيات معجزات تدلّ على أنّه رسول لهم من ربّهم ، مؤيّد منه بما يثبت نبوّته ورسالته .
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ :
هاتان القضيّتان اللّتان جاءتا في هذه العبارة ، هما من مقولات شعيب عليه السلام المكرّرات الّتي جاءت في البيانات السابقات المعبّرات عن مقولاته لقومه .
والدّاعي إلى تكريرها في البيان القرآني ، الدّلالة على أنّ شعيبا عليه السّلام قد كان يكرّرها في بياناته لقومه ، في خطبه وأحاديثه ونصائحه وجدليّاته وتحذيراته وإنذارته ، لأنّهم قد استمرّوا على ممارساتهم في ظلم الناس والعدوان عليهم ، بإخسار الكيل والميزان ، وبخس الناس أشياءهم .
وقد سبق تدبّر نظير هذا البيان ، فلا حاجة للإعادة ، إلّا أنّ وجود « الفاء » هنا في [ فأوفو ] قد دلّ على أنّ شعيبا عليه السّلام قد رتّب هذا البيان ترتيبا عقليّا منطقيّا على أنّهم قد جاءتهم بيّنة من ربّهم ذات برهان دامغ على أنّه نبيّ ورسول مبعوث لهم لهدايتهم من ربّهم ، وهذه البيّنة الدامغة تقطع كلّ عذر يمكن أن يعتذروا به لدى ربهم ، في موقف الحساب وفصل القضاء يوم الدّين ، أو يمكن أن يكون لهم عذرا يمنع إنزال العذاب والهلاك عليهم في الحياة الدنيا .