ولمّا كانت أعمالهم هذه من أكل أموال النّاس بالباطل ، كان من عناصر نصحه عليه السّلام في دعوته لهم ، أن ينهاهم عن النقص في المكيال ، وعن النّقص في الميزان .
وسبق في النّصّ الذي من سورة ( الشعراء ) بيان أنّه قال لهم :
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 ) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
( 182 ) .
ومؤدّى العبارات واحد ، إلّا أنّه كان عليه السّلام لبراعته البيانيّة ينوّع لهم في العبارات ، ابتعادا عن التكرير المتطابق .
وعلى كلّ الأحوال فإنّ البيان القرآنيّ لا تكرير فيه ، لأنه يعبّر عن الواقع المتكرّر الذي كان في خطب شعيب عليه السلام وأحاديثه ونصائحه لقومه .
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ :
أي : إنّي أراكم بسعة ونعمة ووفرة من الرّزق ، فلا دافع لكم لتأكلوا أموال النّاس بالباطل إلّا الطّمع في الثراء الواسع من أموال الضّعفاء ، وأهل السّذاجة الّذين لا يكتشفون حيل المتحايلين ، وتلاعبات المتلاعبين .
وهؤلاء المتحايلون المطفّفون يستهينون بظلم عباد اللّه والعدوان على حقوقهم .
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
( 84 ) :
عذاب هذا اليوم المحيط ، إمّا أن يكون عذاب يوم من أيّام الدّنيا ، كالأيّام الّتي أهلك اللّه عزّ وجلّ فيها وعذّب مجرمي الأمم السّالفة ، وإمّا أن يكون المراد به عذاب يوم الدّين ، بعد البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء .
ولا مانع من حمل العبارة على هذين المعنيين معا ، واللّه أعلم .