آخر ، لعلّ فريقا منهم يتوبون ويستغفرون ، ويقلعون عن فواحشهم ، وكبائر منكراتهم .
فأثنى اللّه عزّ وجلّ على حلمه ، ورقّة قلبه ، وإنابته إلى ربّه ، إذ كانت هذه الصفات فيه هي الّتي جعلته يدعو ربّه بشأن قوم لوط ، ويطرح احتمالات استجابتهم ، أو استجابة فريق منهم في المستقبل ، وأكّد اللّه عزّ وجلّ هذا الثّناء بثلاث أدوات توكيد : « إنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة للخبر » .
وأمر الرّسل من الملائكة إبراهيم بأن يعرض عن طلبه بشأن قوم لوط ، فقد صدر بتعذيبهم وإهلاكهم أمر الرّبّ جلّ جلاله ، فسيأتيهم العذاب والهلاك في الوقت المقدّر المقضيّ ، ولا رادّ لقضاء اللّه وقدره .
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
( 74 ) :
الرَّوْعُ :
الفزع ، وهو الخوف الذي تظهر له آثار نفور في حركات الجسم ، واستعداد لدفع المفزوع منه .
أي : فلمّا ذهب عن إبراهيم الفزع الذي أثاره أنّ ضيوفه لم يأكلوا من طعامه ، وجاءته البشرى هو وزوجته بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، وتلقى نبأ إهلاك قوم لوط وتعذيبهم شرع يجادل رسلنا في قوم لوط ، لرفع العذاب والإهلاك عنهم ولو إلى حين ، والذي دعا إلى تقدير فعل « شرع » أو نحوه أنّ جواب لمّا يكون فعلا ماضيا لا مضارعا ، والمتدبر لكتاب اللّه عز وجل يلاحظ كثرة حذف ما يعلم ويسهل تقديره ، ومنه في هذا النصّ أيضا ، وتلقّى نبأ إهلاك قوم لوط وتعذيبهم .
وقبل أن يعلمنا اللّه عزّ وجلّ بأنّه أوحى إلى إبراهيم أمره له بأن يعرض عن هذا الذي شرع يجادل فيه ، أثنى عليه بثلاث صفات جليلات ، فقال تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
( 75 ) :