لهو الحديث ليضلّ غيره عن سبيل اللّه ، ومنهم من يفعل ذلك ، ليصرف نفسه عن داعي الهدى إلى سبيل اللّه ، فيضلّ عنه .
في هذا النّصّ بيان لخطّة كيد اتّخذها بعض مشركي مكّة ، ليضلّ عن سبيل اللّه من يستجيب له ، وليضلّ هو عن سبيل اللّه ، إذ يشغل نفسه بلهو الحديث ، فيصرفها عن الاستماع لآيات اللّه الّتي يبلّغها رسوله تباعا ، كما ينزل اللّه عليه نجومها .
وهذا النصّ يبيّن أصلا من الأصول الصّوارف عن الحقّ ، وعن سماع بيانات الحقّ والخير والهدى ، وهو شغل الأسماع والأفكار بما يلهي من الحديث عن سماعها ، وهذا الملهي يتناول أمورا كثيرة تدخل فيها الأباطيل والتلفيقات والأكاذيب من الأساطير والخرافات ، فهي لهو من الحديث .
وتدخل فيها الفلسفات المتناقضات المتعارضات الّتي تصنعها الأوهام ، ولا أساس لها من الحق ، وتدخل فيها الحكايات والرّوايات الّتي يصنعها القصّاصون لتسلية النّاس ، وملء أوقاتهم بها . وتدخل فيها المساخر والمضحكات والهزليّات الّتي يتقنها فريق من الهزليّين ، لإضحاك الجماهير وتسليتهم وإلهائهم . وتدخل فيها أغاني المغنّين والمغنّيات الّتي تستهلك أوقات من يستمع إليها بالطّرب ، وبالاستماع إلى الأصوات الحسنة والألحان المطربة ، فتلهيهم عمّا هو خير من علم يقتبسونه من كلام اللّه ، وبيانات رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وكلّ هذه قد تتضمّن الاستهزاء بسبيل اللّه .
ومن المعلوم أنّ كلّ هذه الملهيات لا تأتي في الغالب مجّانا ، وإنّما تبذل فيها الأموال الكثيرة ، فالمضلّون يشترون لهو الحديث بالأموال الطائلة ، ليضلّوا من يستجيب لاستماع لهوهم عن سبيل اللّه .
وأصحاب الأهواء والشّهوات يشترون بأموالهم الّتي يبذلونها لهو الحديث ، لتكون عاقبة ذلك أن يضلّوا عن سبيل اللّه ، إذ ينصرفون بلهو
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 253
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٥٣