رابعا تدبّر نصوص الصورة الثانية
وهي الاستهزاء بالدّين كلّه ، أو ببعض الأعمال الدّينيّة ، واعتبارها أعمالا غير ذات جدوى ، واعتبارها من أعمال اللّهو واللّعب ، ومن الأمور الّتي يستهزأ بها ، لعدم لياقتها بالعقلاء وأهل الكمال ، وكذلك الاستهزاء ببعض الأحكام الدّينيّة ، واعتبارها غير موافقة للحقّ ، أو لما هو الأفضل والأحسن في التنظيم والتشريع الملائم لمصالح الناس ، وكذلك الاستهزاء بآيات اللّه ، وإنذاراته بالعقاب المعجّل ، والاستهزاء بوعده ووعيده بالجزاء المؤجّل .
وقد جاء في القرآن المجيد حول هذه الصورة نصوص متعدّدة ، أستعرضها مع شيء من التّدبّر الّذي يفتح اللّه به .
النصّ الأول :
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( هود / 11 مصحف / 52 نزول ) :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 8 ) .
[ إلى أمّة معدودة ] : أي : إلى أوقات معدودة ، أو إلى مدّة معدودة وحداتها الزّمنيّة ، وهي ليست بالطويلة في حساب تاريخ الشّعوب .
يأتي لفظ « أمّة » في اللّغة بمعنى الحين ، والوقت ، والمدّة .
وَحاقَ بِهِمْ :
أي : نزل بهم ، وأحاط بهم ، ويقال لغة : حاق به الأمر يحيق حيقا ، وحيوقا ، وحيقانا ، أي : لزمه ، ووجب عليه ، وأصابه وأحاط به .
والمراد أنّه نزل بهم على وجه الإحاطة والشمول ، دون أن يجدوا منه خلاصا ولا محيصا ولا مفرّا .