وبيانا لهذه الخطّة الشيطانيّة الخبيثة ، التي يراد بها الصّرف عن الحقّ ، والصّدّ عن سبيل اللّه ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( فصّلت / 41 مصحف / 61 نزول ) :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
( 26 ) :
أي : لا تعرّضوا أنفسكم لاستماع القرآن من محمّد ، أو من أحد المسلمين ، وإذا تلي عليكم وأنتم شهود فالغوا فيه ، ولا تنصتوا ، تشويشا على التالي ، حتّى لا يتأثّر به المستمعون له ، فتجلبوا إلى صفوفكم من يمكن أن يستميله القرآن ، فتكثر أعدادكم ، فتغلبوا أتباع محمّد بكثرتكم .
فمن الحكمة الرّبّانيّة أن يأمر اللّه عزّ وجلّ عموم المؤمنين بأن يستمعوا للقرآن ، وبأن ينصتوا لدى تلاوته ، كلّما تلي في آيّة حالة من الأحوال ، داخل الصّلاة وخارجها ليكون ذلك وسيلة لتدبّر معانيه ، وتذكّرها عند المناسبات الداعيات إلى تذكّرها ، وقصر النّصّ على حالة الصّلاة لا دليل عليه ، وربط هذه الآية بقول اللّه عزّ وجلّ في صدر السّورة بشأن القرآن :
وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
أي : وليكون القرآن تذكرة للمؤمنين يدلّ على أنّ الأمر التّرغيبيّ بالاستماع للقرآن والإنصات عند تلاوته عامّ في كلّ الأحوال .
الذّكرى : اسم للتذكير ، واسم يطلق على ما يوضع للتذكّر ، كالبطاقة المذكّرة ، والرّتيمة التي توضع في الإصبع لتذكّر .
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ :
أي : اسمعوا وأنصتوا إذا قرئ القرآن راجين أن ترحموا ، أو لأجل أن ترحموا .
إنّ الاستماع والإنصات لقراءة القرآن ، وسيلة من الوسائل الداعية إلى تدبّر آياته ، وتذكّرها عند مناسباتها ، والعمل بها ، فإذا تحقّق منكم ذلك رحمكم اللّه ، فأدخلكم في رحمته الواسعة في الدنيا ، وأدخلكم في جنّته يوم الدّين ، الّتي هي إحدى مظاهر وآثار رحمته العظمى الخالدة .