تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وقد سبق لدى تدبّر الآية الثالثة من السّورة ، بيان وظيفة ذكر اللّه ، وتذكّر آياته المنزّلات إلى الناس ليتّبعوها بإسهاب . فهاتان الآيتان موصولتان بموضوع السّورة ذي الخطوط الممتّدّة من الآيتين ( 2 ) و ( 3 ) من أوائلها .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ . . .
( 205 ) . إنّ ذكر اللّه عزّ وجلّ يشمل كلّ حضور فكريّ وقلبيّ ونفسيّ مع اللّه عزّ وجلّ ، في اسم من أسمائه ، أو صفة من صفاته ، أو آية من آياته ، أو أمر من أوامره ، أو نهي من نواهيه ، أو وصيّة من وصاياه ، أو بيان من بياناته ، أو وعد من مواعيده وبشرياته ، أو وعيد من تهديداته وإنذاراته ، إلى غير ذلك من صور ومجالات ذكر اللّه عزّ وجلّ الكثيرة الّتي يصعب استقصاؤها ممّا يتصل بكمالاته وقدسيّاته . إنّ عبارة :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تتضمّن توجيها للذّكر الإفراديّ بصيغة الأمر ، وأن يكون بدؤه صادرا من عمق النّفس ، إذ يكون ذكرا للرّبّ جلّ جلاله في داخل النّفس ، ولا يكون ذكرا في النّفس إلّا إذا كان الوضع الدّاخليّ في الإنسان ذا حضور مع اللّه عزّ وجلّ ، في واحد أو أكثر ممّا يذكر اللّه به ، ولو في آية من آياته الكونية بشرط ملاحظة كونها آية من آياته ، ولو في حالة الاستمتاع ببعض نعمه على عباده ، بشرط ملاحظة أنّها نعمة من نعمه . ويبدأ هذا الذكر الحقيقيّ بشغل التّصوّر الحاضر استدعاء من الذّاكرة ، وتكرير ذلك فيه ، حتّى يكون له أثر في مراكز العاطفة والوجدان ، ومواطن الخوف والطّمع ، والحذر والرّجاء ، والقلق والخشوع والطّمأنينة . وينتقل هذا الأثر من حواشي النّفس متغلغلا حتّى يصل إلى القلب ، ثمّ مع تكرير هذا الحضور الدّاخليّ واعتياده يتغلغل إلى عمق الفؤاد ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 140 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني