تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
واقترنت هذه الدّلالة بثناء عظيم من اللّه جلّ جلاله على من يتحلّى بهذه الصفة الرفيعة . أي : وما يلقّى هذه الخصلة الحميدة والسّلوك السّامي ، إلّا الّذين صبروا ، أي : إلّا الّذين صبروا على الأذى ، ولا يصبر على الأذى إلّا من تدرّب عليه ، حتّى صارت لديه قدرة على الصّبر ، وصار الصّبر على الأذى في سبيل قيامه بوظائف رسالته خلقا مكتسبا له ، إن لم يكن من أصل فطرته وجبلّته . إنّ الّذين لديهم خلق الصّبر على الأذى يتحمّلون صدمات الأذيات ، ويمتصّونها ، من الّذين يحرصون بدعوتهم لهم على نجاتهم من عذاب اللّه ، ويحرصون على أن يفوزوا معهم بجنّات النّعيم فوزا عظيما ، ويزيدون على فضيلة الصّبر فيدفعون بالخصلة الّتي هي أحسن السّيّئة الّتي آلمتهم . وما يلقّى هذه الخصلة الحميدة الجليلة إلّا ذو حظّ عظيم من فضائل الأخلاق ، ومحاسن الشّيم ، ومن البصيرة الرّبانيّة الهادية ، وذو حظّ عظيم من الأجر عند ربّه . يقال لغة : لقّى فلان فلانا الشّيء ، أي : جعله يلقاه ويأخذه منه ، فالآخذ للشيء يلقّاه ممّن لقّاه إيّاه . ولمّا كانت هذه الخصلة العظيمة إنّما يمنحها اللّه لمن آمن وصبر ودرّب نفسه على فضائل الأخلاق ، كانت فضيلة يلقّاها من عطاءات اللّه له ، فهو يتلقّاها ، ويتخلّق بها ، ويتصرّف في دعوته إلى سبيل ربّه بمقتضاها . وهذا سرّ التعبير بقول اللّه تعالى :
وَما يُلَقَّاها
بالبناء لما لم يسمّ فاعله ، أي : وما يعطاها عطاء ربّانيّا فهو يتلقّاها من عطاءات ربّه إلّا الّذي صبر ، وما يعطاها إلّا ذو حظّ عظيم من الفضائل الخلقيّة ، ومن الأجر العظيم عند ربّه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 126 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني