وإذا قابله المدعوّ بالسّباب والشتائم والاتّهمات الباطلات ، دفع الداعي إلى اللّه بالّتي هي أحسن ، وهي الإعراض عن شتائمه ، والاكتفاء بنفي الاتّهامات الباطلات ، أسوة بما فعل الرّسل عليهم السّلام .
. . . فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
( 34 ) :
أي : إنّ دفع المواقف السّيّئة من ذي العداوة ، بالمعاملة الّتي هي أحسن خلقا وسلوكا ، تجعله يتراجع عن مواقفه السيّئة شيئا فشيئا ، إذ تبرد حرارة هجومه ، ولا يزال يتراجع باتّخاذ مواقف ليّنة رفيقة حسنة ، ليغطّي موقفه السابق ، الذي جعله مدانا في نظر الناس بقبح التصرّف ، وبالعدوانيّة الّتي لا مسوّغ لها ، ولا داعي لاتّخاذها .
ولا يزال يتراجع حتّى يتظاهر بالتّودّد ، فيبدو كأنّه وليّ حميم ، أي :
كأنّه مناصر ذو ولاء ، وصديق ذو ودّ حقيقيّ .
ودلّ التشبيه بعبارة ( كأنه ) على أنّه قد يتصنّع هذه الظواهر الودّيّة مداهنة ورياء ، ليغطّي ما سبق منه من مواقف سيّئة لا مسوّغ لها .
غير أنّه ربّما تحوّل بعد ذلك إلى ذي ولاء وودّ صادقين ، كما حصل لكثيرين من الّذين كانوا أعداء للرسول صلى اللّه عليه وسلم ولدعوته ، إذ تحوّلوا إلى الملاينة والمداهنة أوّلا ، ثمّ تحوّلوا بعد ذلك إلى أتباع ذوي ولاء صادق ، وحبّ شديد له ولدعوته ، ثمّ قدّموا حيواتهم وأموالهم فداء له ، وللدّين الذي جاءهم به ، والسّيرة النبويّة فيها أمثلة متعدّدة من هذا .
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
( 35 ) :
دلّت هذه الآية على أنّ مقابلة السّيّئة بالّتي هي أحسن خلقا وسلوكا ، من الأمور الصعبة على النفوس ، الّتي تتطلّب من حامل الرّسالة في دعوته ونصحه واتّخاذه وسائل الإصلاح والتقويم ، صبرا عظيما ، وحظّا وافرا من فضائل الأخلاق .