ودلّ قول اللّه تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ؟ ؟ !
على أنّه لا يوجد قائل من الناس يقول قولا في غير الدّعوة إلى اللّه هو أحسن من قول من دعا إلى اللّه ، وهذا لا يمنع من تفاضل أقوال الدّعاة إلى اللّه في الحسن ، فبعض أقوالهم أحسن من بعض .
ومن هذا نفهم أنّ الدّعوة إلى اللّه الّتي تكون بوسيلة البيان الكلامي هي أحسن القول ، لأنّ مضمونه أحسن المعاني الّتي يعبر عنها بالبيان الكلامي .
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ :
أي : ولا تستوي مفردات جنس الحسنة ، لأنّ هذه المفردات ذوات نسب مختلفات في الحسن ، ودرجات متفاضلات ، فمنها ما هو ذو درجة دنيا في الحسن ، ومنها ما هو ذو درجة عليا في الحسن ، وبينهما درجات كثيرات لا تكاد تحصى ، وكلّ ذي حسن يحتلّ درجة من هذه الدّرجات .
ولا تستوي أيضا مفردات جنس السّيّئة ، لأنّ هذه المفردات ذوات نسب مختلفات في السّوء ، وذوات دركات متفاوتات متنازلات ، فمنها ما هو ذو دركة أولى ، ومنها ما هو ذو دركة سفلى ، وبينهما دركات كثيرات لا تكاد تحصى ، وكلّ ذي سوء يحتلّ دركة من هذه الدّركات .
ويشعر الاقتران في البيان بين الآية الأولى والآية الثانية من هذا النّصّ ، بأنّ الّذين يرفضون دعوة الداعي إلى اللّه ، سيقابلون دعوته بالرّفض ، ثمّ بما يكره في أحيان كثيرة ، على تفاوت في دركات ما يسوؤه منهم .
والمطلوب من الداعي إلى اللّه في كلّ الأحوال ، أن يدفع بالخصلة الّتي هي أحسن ممّا ساءه من رافض دعوته .
فإذا جادله المدعوّ بالباطل والعنف ، دفع الدّاعي إلى اللّه بالمجادلة بالحقّ وبالرّفق ، ما استطاع إلى ذلك سبيلا .