لكنّ المتدبّر الحصيف يعلم أنّ هذه الجمل المقتضبة الحاملة لهذه الوصايا ، إنما هي جمل ملتقطة من ثلاثة فصول من كتاب كبير ، وهي تدلّ بلوازمها الفكريّة على كلّ عناصر فصولها .
وهذا لون من ألوان الأدب الرّفيع الّذي يدركه كبار البلغاء ويعتمدون عليه في بياناتهم .
* * *
قول اللّه تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 200 ) .
تمهيد :
بعد الوصايا الثلاث التي وجّهها اللّه لحامل الرّسالة في الآية السابقة ، جاءت هذه الآية لمعالجة نفسه ، إذا تحرّكت فيها الدّوافع للتّشفّي ممّن أساء إليه .
فأبان اللّه له أنّ ذلك من نزغ الشيطان ، أي : من تحريكه وتحريضه وإثارته للغضب ، ودفعه إلى فعل لا يليق بمثله انتقاما لنفسه .
وعلّمه اللّه جل جلاله الدّواء الذي يصرف اللّه به عنه هذا النّزغ الشيطانيّ .
هذا الدواء هو أن يستعيذ باللّه منه ، فإذا فعل ذلك سمع اللّه استعاذته الصّادقة ، الصادرة من عمق فؤاده ، وهو تبارك وتعالى يعلم ما حدث في نفسه من انفعال يكاد يستخفّه للانتقام ، فيستجيب له ، فيصرف عنه نزغ الشّيطان ، فيعود إلى حالة الهدوء والسكينة والطّمأنينة .