إنّ هذا التوجيه للأمر بالعرف ، يدلّ على أنّ الدّاعي إلى دين اللّه ، إذا اهتمّ في دعوته إلى سبيل ربّه بقضايا ذوي الحاجات من الفقراء والمساكين والضعفاء ، فدافع عنهم ، وأمر باصطناع المعروف معهم ، وحثّ على العطف عليهم ومساعدتهم ، استمال إلى دعوته قلوب ونفوس الكثرة الكاثرة من جماهير الشّعب ، إذ الكثرة الكاثرة من الناس في كلّ عصر وفي كلّ أمّة هم ذوو الحاجات والضعفاء .
والدّعوة إلى صنع العرف معهم تستعطفهم إلى الدّاعي ، وتجعلهم يلتفّون حوله ، وبذلك تتوجّه أفكارهم بقوّة لقاعدة الإيمان الّتي يدعوهم إليها ، فيستقبلونها ويتقبّلونها ، ويستجيبون لها .
ويدلّ هذا التوجيه الوارد عقب الوصيّة بأخذ العفو ، على التوجيه الإلماحيّ لقطع لسان من يسئ لحامل الرّسالة ، بأن يأمر أصحابه وإخوانه وأنصاره ، وسائر من يمكن أن يستجيب له بأن يصنعوا العرف مع المسئ ، ومع ذوي الحاجات من جماعته وعصبته وعشيرته .
فإذا رأى المسئ أنّ حامل الرّسالة الّذي أساء هو إليه قد أمر أصحابه بأن يقدّموا له ولعشيرته العرف ، بعد أن ثارت فيهم الحميّة ، وهمّوا بأن ينكّلوا به ، وينتصروا لقائدهم ورائدهم والدّاعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالّتي هي أحسن ، فلا بدّ أن يتصاغر في نفسه ، ويتراجع عن موقفه ، ويحاول التكفير عن إساءاته .
وتروي لنا قصص شمائل الرّسول صلى اللّه عليه وسلم شيئا كثيرا ، ممّا يتضمّن تطبيق هذا التوجيه الرّبانيّ .
إنّ هذه الجملة :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
على اقتضابها تحكي قصّة الأسلوب الأنجع لحامل الرسالة لدى تأديته رسالة ربّه ، إذ يجذب به الجمهور الأوسع للإيمان بما يدعو الناس إليه ، والعمل بما ينصحهم به ، أو يرشدهم إليه .