تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
الحلاوة الإيمانيّة ، قال اللّه عزّ وجلّ لحامل الرّسالة الدّينيّة :
خُذِ الْعَفْوَ .
ويلاحظ المتدبّر أيضا أنّ العفو يثيب اللّه عليه ثوابا عظيما جليلا ، ويعلم أنّ المؤمن شديد الحرص على الظفر بهذا الأجر العظيم . ولمّا كان الحصول على هذا الأجر العظيم الّذي يأخذه المؤمن عند ربّه ، إنّما يأخذه بسبب العفو ، كان من فنّيّة الأداء البيانيّ البديع ، والأدب الرّفيع ، إسناد الأخذ إلى السّبب الّذي يؤخذ به الأجر العظيم عند اللّه . وجملة :
خُذِ الْعَفْوَ
تدلّ بلازمها الذّهنيّ على النّهي عن أخذ التّشفّي ، أي : ولا تأخذ التّشفّي لنفسك بالانتقام ، وبمقابلة السّيّئة بمثلها ، ومعاقبة المسيئ من الذين تعالجهم بما يستحقّ من عقاب . فحلاوة العفو ولذّته ، مع ثواب اللّه العظيم . خير لك من لذّة التّشفّي العابرة ، الّتي قد لا تظفر بها ، وقد تجلب لك شرّا كبيرا ، مع ما تقيم من عقبات وجدر في سبيل قيامك بأداء رسالتك الّتي تحملها للإصلاح ، ومع ما تدمّر من جسور بينك وبين من تعالجهم بالدّعوة ، أو بالنّصح والإرشاد ، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . إنّ العفو عن إساءات المعالجين وإيذاءاتهم يعبّد للمعالج حامل الرسالة السّبل الوعرة ، الّتي ينبغي أن يسلكها لدى تأدية رسالته ، ابتغاء مرضاة ربّه ، فهذا أمر يرضي اللّه عزّ وجلّ ، لأنّه أكثر تأثيرا في هداية الناس ، واستجابتهم لما يحييهم ، بما يملك من قلوبهم ونفوسهم وعواطفهم ، وبما يمهّد الطريق إلى استجابتهم ، فيثيب اللّه عليه ثوابا عظيما .

( 2 ) شرح الوصيّة الثانية : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ :

أي : وليكن همّك أن تأمر النّاس بالعرف . والعرف في هذه المرحلة المكيّة الّتي نزلت فيها سورة ( الأعراف ) هو ما يسمّيه العرب عرفا ، وهو البذل والعطاء والمساعدة لذوي الحاجات والضرورات .