يدرك هذا أهل التّدبّر من أهل المعرفة بطبائع الناس ، وواقع أحوال الشعوب ، وبأساليب استعطاف واستمالة الجمهور الأعظم منهم .
( 3 ) شرح الوصيّة الثالثة : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ :
أي : وقابل الّذين يتمادون في الجهالة عليك بعد العفو عن إساءاتهم وأذاهم ، وبعد أمرك بصنع العرف لهم ، بالإعراض فقط ، وهو إعطاء عارضك لهم .
العارض : جانب الوجه والجسم .
ونفهم من هذا أنّه من غير المستحسن إدارة الظهر لهم ، والتولّي عنهم ، بل المطلوب الاكتفاء بمجرّد الإعراض عنهم إذا تطاولوا وتمادوا في السفاهة ، وتصرّفات الحمقى الجاهلين .
الإعراض : منزلة وسطى بين المواجهة والإدبار .
والمراد بالجاهلين هنا ، هم الّذين يتسافهون على الفضلاء ، فيخاطبونهم بالأقوال النابية القبيحة ، أو بالشتائم والسباب ، ويؤذونهم بالتحقير والسّخرية ، والهمز واللّمز ، وهذا ما عناه الشاعر العربيّ بقوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
* * * أفلا تلخّص هذه الآية الموجزة بفقراتها الثلاث فصولا ثلاثة ، من كتاب « فقه الدّعوة إلى اللّه والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » وتحدّد سياسة حامل الرسالة فيمن يؤدّي رسالته إليهم .
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) :
إنّ ظاهر هذا النصّ قد يوهم أنّه اشتمل على جمل اقتصرت على التوجيه المباشر لثلاث وصايا ، وأنّها لا تحتوي صورا أدبيّة .