الناصح المرشد ، أيّها الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر . إنك ستواجه ممّن توجّه لهم بيانك وتوجيهك أذى وعداء وكيدا وضرّا ، وستواجه سبابا وشتائم ، وألوان همز ولمز وهزء وسخرية .
وإنّك أمام هذه المواقف الصعبة بين خيارين :
فإمّا أن تواجه من تعالجهم بمثل أعمالهم ، فتخرج عن منهج دعوتك ، وتقيم بينك وبينهم عقبات الخصومات ، فالعداوات ، وهي عقبات كأداء تقيمها في طريق دعوتك ، فتمنعك من متابعة المسير .
وإمّا أن تعفو عمّن يسئ إليك ، وتتغاضى عنه ، وتبقي جسور الصّلة بينك وبين من تسعى لهدايتهم ونصحهم وإرشادهم وموعظتهم قائمة .
وبسبب إبقاء هذه الجسور تستطيع متابعة مسيرتك ، لتغنم الثواب عند اللّه ، وعسى أن تظفر بمن يستجيب لك ويهتدي .
وقد جاء التوجيه الرّبّاني لوجوب سلوك سبيل العفو والإغضاء عن إساءات المسيئين .
والبديع في عبارة التوجيه القرآنيّة ، أنها جاءت بأسلوب المطالبة بأخذ العفو :
خُذِ الْعَفْوَ
دون عبارة : فاعف ، أو فالزم العفو ، أو فالزم سبيل العفو ، أو نحو ذلك من عبارات .
إنّ جملة :
خُذِ الْعَفْوَ
تشعر بأنّ العفو شيء ثمين يؤخذ ، ويغتنم ، ويظفر به ، ومرتبة نفيسة يحرص على الارتقاء إليها أهل البصيرة الإيمانيّة .
ولدى التحليل يلاحظ المتدبّر أنّ العفو له حلاوة في القلوب والنّفوس ، فمن عفا ذاق حلاوة العفو ، والأشياء ذوات الحلاوات في المادّيّات تؤخذ ، وتستعمل في الوجوه الّتي تعطي حلاواتها .
ولمّا كان مجرّد أخذ العفو يسبّب في نفس المؤمن وقلبه مشاعر