واختبر هنا من صفات اللّه تنزيله الكتاب ، لربط هذا النّصّ بالخطّ الأعظم من خطوط موضوع السّورة ، المبيّن في الآية الثالثة منها ، والتي أمر اللّه فيها الناس بأن يتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم .
فالمعنى : وقل لهم بعد التحدي ، إنّ نصيري الّذي يتولّى نصرتي على كلّ من يكيدونني ويريدون بي شرّا أو سوءا ، هو اللّه الذي نزّل القرآن ، والّذي أمر فيه الناس بأن يتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم ، والّذي يشهد لي بما فيه من إعجاز أنّي رسول اللّه ربّ العالمين ، وهو جلّ جلاله يتولّى الصالحين من عباده ، الّذين يلتزمون في أنفسهم كلّ عمل صالح عقيدة وسلوكا ، على مقادير استطاعاتهم ، فيمدّهم بتأييده ومعونته ونصره لأنّهم أولياؤه .
أمّا المشركون وسائر الكافرين فلا ولاية لهم من اللّه الّذي بيده مقاليد كلّ شيء ، وهو على كلّ شيء قدير .
قول اللّه تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 197 إلى 198 ]
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 )
أي : وقل للمشركين هذا القول أيضا ، وهو قول يتضمّن إقناعا للمشركين بأنّ أوثانهم الّتي يعبدونها من دون اللّه عاجزة عن نصر عابديها ، وعاجزة عن نصر أنفسها إذا أرادها أحد بسوء . وبأنّها لا تسمع دعاء من يدعوها ، ولا تبصر من يقف مقابلها وجها لوجه ، لأنّ عيونها حجريّة لا ترى شيئا ، ورؤوسها حجريّة ليس فيها مراكز إبصار .
وتحمل عبارات الإقناع هذه تسفيها ضمنيّا لعقول المشركين ، ولقوى الفهم لديهم .
والمعنى : إنّ الّذين تدعونهم وتسألونهم من دون اللّه من شركائكم ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 110
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١١٠