لكنّهم لم يتخلّصوا من عقدة الدّلال هذه ، وأرادوا أن تكون منزلتهم عند ربّهم تفضيلا وتشريفا ، دون أن يتحمّلوا في مقابلها واجبا ولا تكليفا .
بيد أنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما فضّلهم على شعوب زمانهم الوثنيّين ليحملوا شريعته ومنهاجه ، ويعملوا بهما ، وليدعوا الناس إلى دين اللّه ، مقدّمين أنفسهم للنّاس على أنّهم القدوة الحسنة ، المطبّقة لدين اللّه الّذي اصطفاه لعباده .
فلمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ تعاليم الدّين على موسى بالكتاب الّذي أنزله عليه ، كلّفه أن يبلّغهم إيّاه ، وأن يأخذ عليهم العهد بأن يعملوا بما فيه ، ولا يخلّوا بما أوجب عليهم تاركين ، ولا بما حرّم عليهم فاعلين .
فأسمعهم موسى عليه السّلام تعاليم الرّبّ ووصاياه ، وطلب منهم أن يعاهدوا اللّه على حفظ هذه الوصايا وتذكّرها دواما ، والعمل بها .
فأبى جمهور بني إسرائيل الالتزام بالتعليمات والوصايا الرّبّانيّة ، وأرادوا أن يستمرّوا في حياتهم على أهوائهم وشهواتهم ، شعبا مدلّلا على ربّه ، يعطيهم تفضيله ونعمه ، دون أن يؤدّوا في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا واجباتهم تجاه ربّهم ، ودون أن يتحمّلوا مشقّات تكاليف الامتحان .
فرفع اللّه فوق محلّتهم النازلين بها في سيناء جبل الطّور ، لرفضهم إعطاء العهد على الالتزام بشريعة اللّه ، وقال لهم موسى عليه السّلام بلاغا عن ربّه : خذوا ما آتاكم اللّه من وصايا وأحكام في كتابه بقوّة ، وعاهدوا على العمل بما جاء فيه ، أو يلقي اللّه هذا الجبل عليكم فيهلككم .
وعلى الرّغم من هذا ظلّت عقدة الشّعب المدلّل مستحكمة فيهم ، فقالوا : سمعنا وعصينا .
ويظهر أنّهم رأوا أنّ الأمر لمجرّد التّخويف ، فلو أعلنوا عصيانهم لم ينفّذ اللّه فيهم ما أشعرهم به ، فهو لا يوقع الجبل فوقهم ، ولو تمرّدوا ، كما
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 708
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٠٨