يتصوّر الولد المدلّل على أبيه ، أنّ أباه لن يضربه بالعصا ، ولو رفعها فوقه مهدّدا إيّاه بالضّرب ، دلّ على هذا ما جاء في الآية ( 93 ) من سورة ( البقرة ) وهو قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لهم :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا . . .
( 93 ) .
ويظهر أنّ اللّه عزّ وجلّ أدنى منهم الجبل المرفوع فوقهم شيئا فشيئا ، حتّى ظنّوا أنّه واقع عليهم ، وطاحنهم بالأرض طحنا .
عندئذ ذهبت عنهم أوهام ميوعة الدّلال ، وتكشّفت لهم حقيقة جبروت الرّبّ ، وسطوة انتقامه .
ولم يكن هذا من قبيل الإكراه على الدّين ، إذ هم مؤمنون ، بل هو علاج لما في نفوسهم من عقدة الدّلال على ربّهم ، وتهديد بالعقاب على العصيان ، بعد الإيمان وإعلان الإسلام ، فإذا رفضوا إعلان الالتزام بالطاعة ، كان القتل عقابا عادلا لهم ، بالحدّ الشرعيّ ، كسائر عقوبات الحدود الشرعيّة .
وإذا صحوا من سكرات ميوعة الدلال على ربّهم ، لم يجدوا خلاصا لهم إلّا بأن يعطوا عهدهم وميثاقهم على أن يأخذوا ما آتاهم اللّه في الكتاب بقوّة ، أي : بقوّة إرادة على تنفيذ أوامره ونواهيه ، وعلى أن يذكروا ما فيه دواما .
التدبر :
*
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ . . .
( 171 ) .
أي : وضع في ذاكرتك أيّها المتلّقي أيّا كنت ، قصّة بني إسرائيل حين رفعنا جبل الطّور فوقهم فصار فوقهم كأنّه ظلّة ، في عهد موسى .