تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
الدّنيا ، وهو عرض هذا الأدنى ، إنّما يأخذونه بالمعاصي والمخالفات ، وارتكاب الآثام والذّنوب من مختلف الدّركات ، قول اللّه تعالى بشأنهم :
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
لأنّهم لو كانوا يأخذونه ممّا أحلّ اللّه لهم ، لما احتاجوا لأن يقولوا في أنفسهم ، أو لإخوانهم ، أو لواعظيهم سيغفر لنا ، أي : إنّ اللّه سيغفر لنا كلّ ذنوبنا ومعاصينا ، مهما كانت من الكبائر الكبرى ، لأنّ اللّه فضّلنا لذواتنا على سائر الناس ، فنحن أبناء اللّه وأحبّاؤه . لكنّ مقالتهم هذه من الافتراء على اللّه ، وعلى كتابه ، وعلى رسله ، فمغفرة اللّه لا تختصّ بشعب دون شعب ، إذ هو ربّ العالمين جميعا ، فمن حقّق في نفسه شروط المغفرة غفر اللّه له ، والذنوب المتعلّقة بحقوق العباد لا بدّ من إقامة عدل اللّه فيها ، فإمّا أن يغفر المظلومون ، وإمّا أن يقتصّ اللّه من ظالميهم ، والقصاص يوم الدّين يكون من الأعمال الصالحة ، أو يكون بطرح ما يساويها من سيئات المظلومين على الظالمين . *
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ :
أي : وبما أنّهم يعتبرون مغفرة اللّه لهم تتحقّق بأفضليّتهم لذواتهم على سائر الناس ، ادّعاء منهم بأنّهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، فإنّهم يكرّرون ارتكابهم لكبائر الذّنوب الّتي سبق أن ارتكبوها ، ولو لم يقم في نفوسهم طلب ملحّ لارتكابها ، فهم يأخذون عرض هذا الأدنى آثمين ظالمين ، على الرّغم من عدم وجود الدّاعي النّفسيّ الملحّ لارتكاب الإثم الكبير ، حتّى صارت ممارساتهم للمعاصي عادات ، لا يردعهم عنها أقوى الروادع وأشدّها . دلّت كلمة [ إن ] من عبارة
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
وهي أداة من أدوات الشّرط تستعمل في المشكوك فيه أو القليل النادر ، على أنّ هذا العرض المماثل للعرض السّابق لم يكن منتظرا ، ولا مرتقبا من قبل نفوسهم ، إذ ليس في نفوسهم الدافع الملحّ في طلبه والرّغبة في الحصول عليه ، وهم مع ذلك يأخذونه ، لاستهانتهم بارتكاب كبائر الإثم .