ولمّا تقطّعوا في الأرض كوّنوا في مواقعهم المشتّتة أمما ، كلّ قسم منهم كوّن أمّة مجتمعة إسرائيليّة ، لم تذب في الأمم التي دخلوا فيها ، وعاشوا بينها ، وهذا ما يثبته تاريخهم حتّى واقعهم المعاصر .
ونوّع اللّه لهم وهم في بلدان التشتيت أنواع الامتحان ليتوبوا ، وليرجعوا إلى صراط اللّه المستقيم ، والعمل بكتابه المنزّل ، وشريعتهم الّتي بلّغهم إيّاها موسى والأنبياء من بعده عليهم السلام ، حتّى انتهت مدّة العمل بهذه الشريعة ، ببعثة محمّد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
فكان من أنواع الامتحان الّذي امتحنهم اللّه به حسنات تسرّهم على أيدي الشّعوب الّتي نزلوا بينها ، أو بتصاريف اللّه في كونه مباشرة .
وكان من أنواع الامتحان الذي امتحنهم اللّه به سيّئات تسوؤهم على أيدي الشعوب الّتي نزلوا بينها ، أو بتصاريف اللّه في كونه .
*
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً . . . :
دلّت هذه العبارة على أنّ اللّه عزّ وجلّ أجرى مقاديره الخفيّة ، الّتي كان من آثارها تقطيع بني إسرائيل وتمزيقهم في الأرض ، بعد ضرب دولتهم ووحدتهم .
ولم يكن هذا التقطيع والتمزيق إلّا عقوبة لهم ، لأنّهم لم يرعوا حقوق المنحة الّتي منحهم اللّه إيّاها ، إذ استخلفهم في الأرض المقدّسة من بلاد الشّام ، عن ملوكها الوثنيّين الّذين كانوا فيها ، وكان هذا الاستخلاف الذي منحهم اللّه إيّاه بمعونات غير عاديّة ، ليقيموا الدّولة الرّبّانية ، وليعلوا كلمة اللّه في الأرض ، إذ مكّنهم من الانتصار على شعوبها ذوات القوّة والبأس .
لكنّهم سرعان ما حرّفوا وغيّروا وبدّلوا ، واتّبعوا سنن الأمم الظالمة الآثمة من قبلهم ، إفسادا في الأرض وظلما وعدوانا ، وفسقا وفجورا ووثنّيات ، فسلبهم اللّه - جلّ جلاله وعظمت حكمته - ما كان قد منحهم ، ومزّقهم ، فكانوا في شتات الأرض أمما .