تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
الفكري الّذي اقتضى ضمّها إلى سورة مكية ، إذ فيها مقدار وفير من أخبار بني إسرائيل . وهذا النصّ يبيّن أحوال بني إسرائيل منذ التّشتيت الّذي ضربه اللّه عليهم ، بسبب ذنوبهم وفجورهم ، وإراقتهم الدّماء بغير حقّ ، وعبادتهم أوثان الأمم الوثنيّة المشركة التي اختلطوا بها ، مسالمين أو محاربين ، حتّى بعثه محمّد صلى اللّه عليه وسلم بالرّسالة الخاتمة ، وإيمان من آمن منهم به ، واتّباعهم الكتاب الّذي أنزل عليه ، وإقامتهم الصّلاة مع المسلمين ، وحتّى كفر من كفر منهم . وهذه الآية تبيّن التّشتيت الّذي ضربه اللّه على بني إسرائيل ، وقد كان تقطيعهم في الأرض عقوبة لهم ، إذ لم يصلحوا لحمل رسالة الرّبّ للنّاس ، ولا للمحافظة عليها والالتزام بها ، بل أرادوا استثمارها لأنانيّاتهم الخاصّة ، وأرادوا احتكار الرّبّ لأنفسهم ، مع عدم الالتزام بشرائعه وتكاليفه ، وادّعوا أنّ الرّبّ اصطفاهم وأحبّهم لذات سلالتهم ، لا لحمل رسالته ، عملا بها ، ونشرا لها ، ولا لإعلاء كلمة اللّه في الأرض . فسلّط اللّه عليهم من سفك منهم دماء كثيرة ، وسباهم ، وطردهم من الأرض المقدّسة ، من الأمم الوثنية من حولهم ، إذ لم يرعوا شريعة اللّه ، ولا أقاموها كما فرض عليهم ، مع ادّعائهم كذبا وزورا أنّهم منتمون إليها وقد حرّفوها وغيّروا وبدّلوا فيها . فمنهم من نقل إلى بعض أرض التّشتيت بالقهر والإكراه ، عن طريق الطّرد أو السّبي : ومنهم من فرّوا بأنفسهم خوفا ، إذ لم يجدوا في البقاء في الأرض المقدّسة من بلاد الشّام الأمن الّذي يحبّونه . وحين تشتّتوا في الأرض شرقها وغربها وجنوبها وشمالها ، كانوا على درجات مختلفات ، فكان بعضهم صالحين ، وهؤلاء قلّه ، وكان أكثرهم دون ذلك تنازلا في الدّرجات فالدّركات ، حتّى دركة الفجّار والكفّار من أهل الأوثان .