ثمّ فتحوا مدنا كثيرة في عهد النبيّ « صموئيل » ثمّ في عهد القضاة ، وكانت هذه الظّاهرة المذكورة في نصّي ( الأعراف ) و ( البقرة ) ظاهرة متكرّرة .
ولعلّ في إغفال تعيين القرية المرادة في القصّة غرض الإشعار بأنّها ظاهرة تكرّرت في بني إسرائيل ، حينما كان يمدّهم اللّه عزّ وجلّ بقوى غيبيّة ، وأسباب لا يملكونها ، ويفتح اللّه لهم القرى في الأرض المقدّسة .
وكان المطلوب منهم كلّما فتح اللّه لهم قرية من القرى صغيرة أم كبيرة ، أن يدخلوا بابها خاضعين للّه ، مطأطئي رؤوسهم له ، مستغفرين من ذنوبهم ، وأن يستمرّوا بعد دخولها وسكناها قائمين بواجب السّجود للّه وحده ، والعمل بشرائعه وأحكامه ، لا يشركون بعبادته شيئا ، وكانوا يعطون العهد على ذلك قبل أن ينصرهم اللّه ، ثمّ بعد أن يحقّقّ لهم وعده وينصرهم ، ويفتح لهم القرى ، ويمكّنهم من أعدائهم ينقضون عهدهم مع اللّه ، فيبدّلون ، ويعملون بقول آخر يفترونه ، غير القول الذي قاله اللّه لهم ، فيظلمون ويفسقون .
فإذا تمادوا في معاصيهم ومخالفاتهم وانحرافاتهم ، وأهملوا العمل بآيات اللّه المنزّلات ، أرسل اللّه عليهم عذابا من السّماء بسبب ما كانوا يظلمون فاسقين .
وهذه الحادثة الّتي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في نصّي ( الأعراف ) و ( البقرة ) لا علاقة لها بالحادثة التي جاءت في النصّ الذي جاء في سورة ( المائدة ) الّذي يبيّن اللّه عزّ وجلّ فيه دعوة موسى عليه السّلام لبني إسرائيل ، أن يدخلوا الأرض المقدّسة التي كتبها اللّه لهم بشرط أن يدخلوها مقاتلين مجاهدين في سبيله لنشر دين اللّه والدعوة إليه .
فقالوا له : إنّ فيها قوما جيّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها ، وقالوا له : يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ، فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 657
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٥٧