تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
مع ما ينزل بهم من عذاب أليم في الدنيا . ويقصّ التاريخ علينا ما أنزل اللّه بهم من عذاب واضطهاد وذلّ ومهانة في كثير من الأحقاب الزّمنيّة ، وبأيدي كثير من جبابرة الأرض . ولمّا كان بنو إسرائيل المعاصرون للتنزيل على طريقة الظالمين من أجدادهم إلّا من أسلم منهم ، كانوا مشمولين بهذا الخطاب حتما ، بل هم أشدّ ظلما ، لقيام الحجّة عليهم بما آتى اللّه رسوله محمّدا من آيات بيّنات ، ولأنّ علماءهم وأحبارهم قد عرفوا أنّ محمّدا رسول اللّه المبشّر به في كتبهم ، كما يعرفون أبناءهم ، وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعم اللّه الكثيرة التي اختصهم بها . ولو أنّهم آمنوا به واتّبعوه ، وعملوا بما أنزل اللّه للناس في القرآن ، لتبرّؤوا ممّا كان عليه أجدادهم الظالمون ، ولما خاطبهم اللّه بما فعل أجدادهم من ظلم قبلهم . لكنّهم لم يؤمنوا ولم يسلموا ، فتابعوا خطوات أجدادهم الظّالمين ، متعصّبين لهم ، ولأعمالهم ، ولتحريفاتهم في دين اللّه ، ومعتزّين بهم ، ورافضين دين اللّه الحقّ ، ومعتبرين أنفسهم امتدادا بشريّا لآبائهم وأجدادهم في كلّ قبائحهم ، وسيّئاتهم ، وكفريّاتهم ، وغير مستعدّين نفسيّا للتّبرّؤ من الباطل الذي هم فيه ، والاستمساك بالحقّ الّذي يدعون إليه ، فكانوا جديرين بأن يكونوا داخلين في عموم خطاب أجدادهم الظالمين ، وأن يكونوا بعد بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم ممثّلين للظالمين من أجدادهم في كلّ شيء ومضيفين ظلما جديدا هو كفرهم بالرسول النّبيّ الأمّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة . ويوضّح قول اللّه عزّ وجلّ :
وَما ظَلَمُونا :
أي : بكفرهم وفجورهم وعثوّهم فسادا وإفسادا في الأرض ، ما جاء في الحديث القدسيّ الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذرّ :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 648 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني