تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
قال المفسرون : التقدير : وقلنا لهم : كلوا من طيّبات ما رزقناكم ، أي : من المنّ والسّلوى . وقلنا لهم : كلوا واشربوا من رزق اللّه . أقول : مثل هذا التقدير يقلّل من قيمة هذا النّص البيانيّة ، إذ يجعلها قاصرة على الإيجاز بالحذف . والأولى أن نقول : هذا كلام محكيّ بلفظه ، مقتطع من الحدث الماضي ، ومقدّم في البيان كما هو على طريقة عرض المشهد كما كان عند حدوثه ، بإبداع فنّيّ جميل ، لم يعرفه البلغاء قبل القرآن ، وقد أدركه الإعلاميّون في عصورنا المتأخرة ، وهو من روائع الإبداع القرآنيّ . وفي توجيههم للأكل من بعض ما رزقهم اللّه ، إشارة إلى أنّ الرّزق الّذي قضاه اللّه لهم من المنّ والسّلوى رزق وفير يزيد عن حاجاتهم اليوميّة ، فلا داعي لأن يدّخروا منه شيئا للطوارئ ، كما كانوا يفعلون وهم في مصر . القضيّة السّادسة : قول اللّه تعالى في سورة ( البقرة ) :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 60 ) : لمّا كان تأمين مطالب الحياة ممّا يولّد مشاعر الاستغناء ، وهذه المشاعر تنسي ذكر اللّه عزّ وجلّ ، وتنسي الحاجة إليه ، وهذا النّسيان يولّد الطغيان في النفوس ، فيدفع إلى الإفساد في الأرض بانطلاق إجراميّ ، حذّر اللّه بني إسرائيل من أن يعثوا في الأرض مفسدين ، ودمج بالخطاب معاصري تنزيل القرآن ومن بعدهم ، ضمن حكاية الخطاب الذي سبق أن وجّهه اللّه لأجدادهم .
وَلا تَعْثَوْا :
أي : ولا تفسدوا إفسادا شديدا منكرا . العثوّ : أشدّ الفساد ، يقال لغة : عثي يعثى عثوّا ، وعثيّا وعثيانا .