الوجه الثالث : أقول : العبارة تحتمل معنى آخر ، وهو أن يكون الغمام الّذي جعله اللّه فوقهم مباشرة ، قد كان غماما رقيقّا غير كثيف ، فظلّله اللّه عزّ سلطانه ، بغمام كثيف فوقه ، ليكون الغمام القريب منهم باردا ، إذ جعل فوقه غماما مظلّلا له ، يستره من أشعّة الشّمس الحارّة ، وهذا من عناية اللّه عزّ وجلّ بهم .
وجاء في الإصحاح التاسع من سفر العدد عند بني إسرائيل : « أنّ السّحابة كانت علامة لهم على الحلّ والتّرحال ، فإذا ارتحلت السّحابة عن خيمة الشّهادة ارتحلوا ، وإذا أقامت أقاموا .
لكنّ النّصّ القرآني يدلّ على أنّ الغمام كان يظلّلهم جميعا ، ولم يكن خاصّا بخيمة الشهادة .
وإن صحّ ما كتبه الإسرائيليّون ، فهو محمول على سحابة خاصّة ، غير الغمام العامّ ، الّذي كان يظلّل من أشعّة الشّمس عموم بني إسرائيل في سيناء .
القضية الرابعة : قول اللّه تعالى في ( الأعراف ) :
وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
بالحديث عن الغائبين .
وقوله تعالى في ( البقرة ) :
وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى . . .
( 57 ) بأسلوب خطاب بني إسرائيل امتنانا عليهم . وقد سبق بيان الحكمة .
وَأَنْزَلْنا :
عطاءات اللّه لعباده كلّها إنزال من فيوضات آثار رحمته العليّة جلّ جلاله ، ولو كانت غير نازلة من السّماء ، بل هي موجّهة لهم من الأرض وأجوائها وبحارها .
الْمَنَّ :
رزق كان يسقط لهم على وجه الأرض كالنّدى ، وهو يشبه القشور ، ويتجمّع كالجليد على الأرض ، وقد جعله اللّه لهم بدل الخبز ، وطعمه كطعم رقاق خبز بعسل .