ويمكن أن نقول في الجمع التكامليّ بين العبارتين : وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه وحيا مضمونه أن اضرب بعصاك الحجر المعيّن الّذي أعلمناك به ، أو سنعلمك به ، لنخرج لهم ماء لسقياهم ، فلمّا وصل إلى الحجر المعيّن ، قلنا له : اضرب بعصاك الحجر ، ليكون إجراء الآية مقارنا للطّاعة التابعة فورا للأمر بضرب الحجر بالعصا ، فضرب موسى الحجر الّذي أمره اللّه بضربه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ، فانفجرت هذه العيون بالماء الغزير الوفير ، الذي يكفي أسباط بني إسرائيل الاثني عشر ، ودون أن يتزاحموا على عين واحدة .
وتكرّر في نصّي ( الأعراف ) و ( البقرة ) تكرارا تطابقيّا قول اللّه عزّ وجلّ :
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ :
أي : قد بيّن موسى عليه السّلام لكلّ سبط من أسباط بني إسرائيل مشربهم الخاصّ بأناسهم ، فعلموا منه ذلك بالتّعيين .
ولعلّ في ذكر لفظ « أناس » بدل « سبط » إشارة إلى أنّ هذه العيون خاصّة بالبشر ، أمّا بهائمهم وأنعامهم فلها مشارب أخرى ، غير هذه العيون ، وربما يكون مجرّد تفنّن في التعبير ، واللّه أعلم .
ويبدو لي أنّ الغرض من هذا التكرار التطابقي في هذه العبارة ، الإشارة إلى أنّ التعليمات الّتي صدرت من موسى عليه السلام بتوزيع الأعين على الأسباط قد كرّرت عليهم ، لإلزامهم بمراعاة النّظام وعدم العدوان ، ووجوب التزام كلّ سبط بالعين المخصّصة لهم .
القضية الثالثة : قول اللّه تعالى في سورة ( الأعراف ) :
وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ
بالحديث عن الغائبين .
وقوله تعالى في سورة ( البقرة ) :
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ . . .
( 57 ) بأسلوب خطاب بني إسرائيل امتنانا عليهم ، إذ الإنعام على الأجداد إنعام