يشتهي ، مع أنّ الرّحماء من أهله وذويه حريصون على أن يستعمله ، رغبة منهم في شفائه .
والمغفرة والعفو هما من آثار رحمة اللّه بعباده ، ولكنّ شرط الانتفاع بهما أن تكون لدى العاصي القابليّة للانتفاع بآثار رحمة اللّه في المغفرة والعفو ، ضمن قوانين اللّه عزّ وجلّ في تكوين النفوس ، وهذه القابليّة في النفوس الإنسانية مفتاحها التوبة الصادقة ، والاستغفار وطلب العفو ، فمن فعل ذلك فتح أبواب نفسه لتلقّي آثار رحمة اللّه في المغفرة والعفو .
وفي عالم الجزاء يوم الدّين جعل اللّه في قوانينه للنّشأة الأخرى ، أنّ قابليات الانتفاع بآثار رحمة اللّه يومئذ مشروطة بأن يموت الموضوع في الحياة الدنيا موضع الامتحان مؤمنا بربّه ، لا يشرك بربوبيته ولا بإلهيّته شيئا ، وجعل قابليّات الانتفاع بها لدى عصاة المؤمنين متفاوتات متفاضلات ، بحسب ما كان لدى كلّ منهم في الحياة الدّنيا من إيمان وعمل صالح .
بهذا التحليل ظهر لنا تماما أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء ، وأنّ العلّة في عدم الانتفاع بآثار رحمة اللّه تكمن في عدم قابليّة الشيء للانتفاع بها في أصل تكوينه الفطري ، أو في أنّه أقفل على نفسه بإرادته أبواب استقبال آثار رحمة اللّه ، ضمن قوانين التكوين العامّ في عالم الابتلاء ، وما يترتّب عليه في عالم الجزاء .
* * *
قول اللّه تعالى :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ .
( 156 )
*
فَسَأَكْتُبُها :
أي : فسأكتب معقادير من آثار رحمتي بتتابع أقضيتي وأحكامي الجزائيّة ، فالمراد بالرّحمة آثارها ، وهي جنس يشمل القليل والكثير منها ، وإضافتها إلى ضمير المتكلم وهو اللّه عزّ وجلّ يجعلها