عَذابِي :
أي : عقابي ، فالعذاب في اللّغة أتى بمعنى العقاب ، وهو المراد هنا كما يظهر ، ومعلوم أنّ العقاب إنّما يكون عن ذنب ، وعقاب اللّه للمذنبين إنّما يكون معادلا لذنوبهم ، فالسيّئة في قانون اللّه الجزائيّ تقابل بمثلها المكافئ لها .
ولمّا كان من الذّنوب ما قد يغفره اللّه ، وكان منها ما قد يعاقب عليه ، ولمّا كانت مشيئة اللّه الحكيمة هي الّتي تحدّد إنزال عقابه ، أو الغفران والعفو ، كان التعبير الملائم للدلالة على هذه الحقيقة ، قول اللّه عزّ وجلّ :
عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ .
ولا بدّ أن نضع في ملاحظتنا دواما أنّ مشيئة اللّه لا تفارق حكمته ، وأن حكمته سبحانه إنّما تقضي بعدله ، أو تقضي بفضله وإحسانه .
وأمّا قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فالظاهر أنّه جواب لقول موسى عليه السّلام لربّه ؛
فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا .
يقال لغة : وسع الشيء الشيء ، أي : لم يضق عنه .
والمعنى : أنّ رحمة اللّه واسعة جدّا سعة قابلة لأن تفيض على كلّ شيء قابل بتكوينه ، أو باختياره ، لتلقّي آثار فيضها وعطائها وجودها ، وهذا القيد يفهم باللّزوم العقلي ، أو بالاقتضاء العقلي ، وبرهانه أنّ الشيء الّذي لا يقبل بأصل تكوينه أن يتلقّى آثار رحمة اللّه لم يخرج من عموم سعة رحمة اللّه لأنّها لا تتّسع له ، بل لأنّه محروم بطبيعته من تقبّل آثارها ، والانتفاع بها ، كالصّخرة الصّمّاء الّتي تنزل عليها أمطار السّماء ، الّتي هي أثر من آثار رحمة اللّه فلا تنتفع بها ، لا لأنّ رحمة اللّه لم تسعها ، ولكن لأنّها هي لم تقبل الانتفاع بغيث السّماء .
وكذلك من يرفض باختياره الحرّ ، من ذوي الإرادات الحرّة ، تلقّي رحمة اللّه الّتي وسعت كلّ شيء بشروط تلقّيها .