تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
ولنفرض أنّ رحمة اللّه تشبه نهرا عظيما ، يتّسع لكل من يريد الانتفاع بمائه ، بأيّ وجه من وجوه الانتفاع ، ولكن بشرط أن يتّخذ وسيلة لاستخراج الماء من النهر ، مع العلم بأن وسائل استخراج الماء منه ميسّرة لكلّ طالب الانتفاع به بنسبة متساوية ، فإذا رفض المحتاج إلى الماء اتّخاذ أيّة وسيلة ميسّرة له ، فهل يقال : إنّ ماء النهر لم يتّسع له ، أم يقال : إنّه هو الذي أبى باختياره الحرّ الانتفاع بماء النّهر . ولنفرض أنّ رحمة اللّه تشبه غيثا عظيما عامّا شاملا ، ولا يحتاج الانتفاع به إلّا أن يتعرّض ذو الإرادة الحرّة لتلقّيه من السّماء ، لكنّ المحتاج إليه أوى إلى مغارة ، أو ستر نفسه بمظلّة حاجبة ، فهل يقال : إنّ الغيث لم يكن عامّا شاملا يمنح عطاءه لكل من يتلقّاه ، أم يقال : إنّ الّذي حجب نفسه بإرادته الحرّة هو الّذي أبى الانتفاع به . إنّ صفة رحمة اللّه هي السّعة الشّاملة لكلّ شيء ، ولكنّ الّذي ينتفع بها هو الّذي لديه القابليّة والاستعداد للانتفاع بها ، وإذا كان ذا إرادة حرّة فانتفاعه بها شرطه اتخاذ وسيلة للانتفاع بها ، واجتنابه ما يحجبه عنها . ضمن قوانين اللّه الثابتة ، التي وضعها اللّه عزّ وجلّ بحكمته لحياة الابتلاء في الدنيا ، وحياة الجزاء في الآخرة . ففي عالم الحياة الدنيا عالم الابتلاء جعل اللّه عزّ وجلّ كلّ كائن حيّ مستعدّا بتكوينه الفطريّ لتلقّي مقدار ما من آثار رحمة اللّه في الرزق والصّحّة وتذوّق لذّات الحياة الدنيا ، والاستمتاع بحلاوة ما فيها من حلو ، وجعل كلّ ذي إرادة حرّة موضوع في الحياة الدنيا موضع الامتحان ، مستعدّا لتلقّي تعليمات الهداية الرّبّانيّة الّتي هي من آثار رحمته . ولكنّ بعض النّاس يرفضون بإراداتهم الحرّة الانتفاع بتعليمات الهداية الرّبّانيّة ، كالمريض الذي يرفض استعمال الدواء ، لأنّه جاء على خلاف ما