أقول : إنّ المغفرة لا تكون خيرا دواما ، بل قد يكون الخير في كشف جريمة المجرم ومعاقبته على جريمته ، بينما قد تدفع عاطفة الأبوّة أو الأمومة إلى ستر كلّ جرائم الأبناء ، والتجاوز عن المؤاخذة عليها ، وهذه المغفرة شرّ ، وتشجيع للمجرم على التمادي في جرائمه .
أمّا الرّحمة فاللّه أرحم كلّ الرّاحمين دواما ، وقد جاء في النّصوص القرآنيّة أنّه خير الرّاحمين ، للدّلالة على أنّ الرحمة حينما تكون منافية لمقتضيات الحكمة فإنّ اللّه ينزل بالمذنب العقوبة الّتي تقتضيها حكمته جلّ جلاله ، وهذا من الرّحمة بغيره من عباده .
وتابع موسى عليه السّلام دعاءه قائلا :
*
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ . . .
( 156 ) :
أي : واكتب لنا في هذه الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أو حسنات لا حصر لها . وقد حذف هذا من الجملة للعلم به ، وهو ممّا يقتضيه الإيجاز والاقتصاد في العبارة ، ولا سيما في مخاطبة الرّب جلّ جلاله .
وَاكْتُبْ :
دعاء جاء التعبير فيه عن آخر الأمر الذي يثبّت به المراد المقضيّ تنجيزه في المستقبل .
فالأمر من الممكنات يراد ، فيقضى به ، فيكتب ، فينفّذ حينما يأتي وقت التنفيذ . فطلب كتابته يتضمّن عن طريق اللّزوم الذهنيّ دعاء بتخصيصه بالإرادة ، فإمضائه والقضاء به ، فكتابته لتنجيزه في حينه ، وهذا من الكنايات لما فيه من استخدام اللوازم للدلالة على ملزوماتها .
إنّ موسى عليه السلام بعد أن سأل اللّه عزّ وجلّ بقوله :
وَارْحَمْنا
خصّ في دعائه بالذكر نوعين من أثار رحمته :