وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ :
هذه عبارة ثناء على اللّه جلّ جلاله ، مبدوءة بحرف عطف ، وكان مقتضى الظّاهر أن تأتي دون حرف عطف ، فما الحكمة من عطفها بالواو ؟ .
أقول : إنّ التّدبّر الأمثل يهدينا إلى أنّ هذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة أفصحت عنها « الواو » العاطفة « 1 » ، وتقدير الكلام هنا :
أنت وليّنا ، فاغفر لنا ، وارحمنا ، أنت أرحم الرّاحمين ، وأنت خير الغافرين .
وفي دعائه السّابق في الآية ( 151 ) لنفسه ولأخيه قال موسى عليه السّلام :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 151 ) :
ومن سنّة التكامل في دلالات النّصوص ، نفهم أنّ هذه الآية أيضا ، هي على تقدير :
وأدخلنا في رحمتك أنت خير الغافرين ، وأنت أرحم الراحمين .
وقد دلّ المذكور في كلّ من الدّعاءين على المحذوف في كلّ منهما ، وأشار وجود حرف العطف في كلّ منهما إلى الجملة المحذوفة في كلّ منهما .
ويلاحظ أنّ طلب الرّحمة من اللّه ، يستدعي الثناء عليه بأنّه أرحم الرّاحمين ، وأنّ طلب المغفرة منه يستدعي الثناء عليه بأنّه خير الغافرين .
وهنا يرد سؤال ، وهو : لماذا لم يأت في الثناء الثاني عبارة : وأنت أغفر الغافرين ، كما جاء في الثناء الأول عبارة : وأنت أرحم الراحمين ؟ !
هامش
( 1 ) ثبت عندي أنّ العطف على محذوف لا يقتصر على الفاء التي سمّاها النحاة الفاء الفصيحة ، بل قد يكون بكلّ حروف العطف ، وفي القرآن من هذا الكثير .