تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
وأدركوا أنّهم قد أجرموا باتّخاذهم العجل ، وأنّ موسى عليه السّلام ، سيعاقبهم على ذلك لا محالة ، فقد نهاهم سابقا عن اتّخاذ إله من المحسّات المادّية ، وحذّرهم من اتخاذ إله أو آلهة من الأوثان يعبدونها ، وشدّد عليهم في ذلك ، وأخذ منهم الوعد أن لا يغيّروا ولا يبدّلوا في الدّين شيئا . عندئذ سقط بأشياء معنويّة في أيديهم ، وهذه الأشياء المعنوية هي بمثابة قيود وأصفاد وأغلال ثقيلة من حديد ، تجعل قواهم عاجزة عن الدّفاع عن أنفسهم ، كالمجرم القاتل أو السّارق أو الخائن خيانة عظمى ، إذا رأى أنّه محاط بالجنود الّذين سيقبضون عليه لا محالة ، فلا مهرب له منهم ، فإنه تنحلّ قواه من الرّعب ، وترتخي أعصابه ، وتتدلّى يداه ، وتسقط على الأرض رجلاه ، كأنّ حديدا ثقيلا قد أسقط بسرعة فائقة غلّا أو صفدا أو قيدا في يديه ، فكانتا مشدودتين نحو الأرض من ثقل ما سقط عليهما ، لإثباته ، فهو لا يستطيع حراكا . *
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا :
أي : ورأوا رؤية علميّة بعد شهودهم موسى عليه السلام قادما إليهم ، أنّهم قد تسرّعوا باستبطائهم عودته ، وأنّهم قد ضلّوا باتّخاذهم العجل الذهبيّ إلها يعبدونه ، فقالوا : *
لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 149 ) : لقد جعلوا يردّدون نظير هذه المقالة فيما بينهم قبل أن يصل موسى عليه السّلام إلى حيث ينزلون ، وقبل أن يواجههم بالمحاسبة على ما فعلوا . وجعلوا يدعون ربّهم كما جاء في القراءة الأخرى ، قائلين : [ لئن لم ترحمنا ربّنا وتغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين ( 149 ) ] . وهذا اعتراف منهم لربّهم بكبيرتهم الشّركيّة الّتي ارتكبوها ، طامعين بأن يرحمهم ويغفر لهم . الرّحمة : صفة من صفات اللّه الجليلة ، وهي صفة نفسيّة ، نثبتها للّه عزّ وجلّ على ما يليق بجلاله ، ومن آثارها العطاء ، والمعونة ، والتّوفيق ،